عربيةُ القرآنِ إذ هي دليلٌ وبرهان على أنَّ هذا القرآنَ لا يُمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله

وردَت في القرآنِ العظيم جملةٌ من الحقائقِ التي ما كانَ بمقدورِ أحدٍ من غيرِ علماءِ أهلِ الكتاب أن يُحيطَ بها عِلماً (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ) (٤٩ العنكبوت). فكيف تأتَّى لسيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أن يعلمَ هذه الحقائقَ التي كانت مكتوبةً بلسانٍ أعجمي غيرِ عربي؟ وكيف تسنَّى له صلى الله تعالى عليه وسلم أن يعلمَ ما كان يُخفيهِ أهلُ الكتاب من قراطيس الكتاب؟ فأهلُ الكتابِ كانوا يجعلونَ الكتابَ قراطيسَ، وهي لفائفٌ من الرَّق يصنعونها من جلودِ الحيوان، فيُظهرونَ منها القليل ويخفون منها الكثير (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ) (من ٩١ الأنعام).
ولذلك وجدَ نفرٌ من علماءِ أهلِ الكتاب في هذا الذي كانوا يسمعونه من سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الدليلَ القاطعَ بأنَّه لا يمكنُ أن يكونَ إلا ذاك النبي الأُمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراةِ والإنجيل، نبياً من نَسلِ إسماعيل إبنِ هاجر. فلقد كان مكتوباً عند أهلِ الكتابِ في إنجيلهم وتوراتهم أنَّ اللهَ تعالى سيبعثُ نبياً أُمياً من ذريةِ إسماعيل، وأنَّ اللهَ سيُجري على لسانِ هذا النبي من العلمِ والأخبار ما لا ينبغي لأحدٍ من الأُميين الذين لم يُنزِّل عليهم أيَّ كتابٍ من قبله.
وهكذا فلقد آمنَ بهذا النبي الأمي من علماءِ أهلِ الكتاب مَن أيقنَ بأنَّ اللهَ هو الذي أنزلَ عليهِ الكتابَ، وأنَّه لذلك لا يمكنُ أن يكونَ إلا نبياً مُرسلاً من عنده. فكتابُ هذا النبي الأمي هو بلسانِ قومِه الأميين العربي المبين، وليس بلسان أهلِ الكتاب الأعجمي: (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) (١٩٩ آل عمران)، (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) (٤٣ الرَّعد)، (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (١٩٧ الشعراء)، (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ) (من ٣٦ الرَّعد)، (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (١٠ الأحقاف).
ولقد شدَّدَ اللهُ تعالى على عربيةِ لسانِ قرآنِهِ العظيم في مواطنَ منه كثيرة، وذلك تبياناً لما لعربيةِ هذا القرآن من قدرةٍ لا تُقهَر على إلزامِ خصومِهِ الحجةَ بأنَّه لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله، وذلك طالما كان ما حَواهُ من علمٍ وأخبارٍ وأنباء ما كان بمقدورِ مَن كان أُمياً، أي من الأميين، أن يعلمَها وهي التي كانت مكنونةً في كتُبِ أهلِ الكتابِ بلسانهم الأعجمي غيرِ العربي.
ويتجلى هذا التشديدُ من لدن الله تعالى على عربيةِ قرآنهِ العظيم في الآياتِ الكريمةِ التالية: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (من ٢ يوسف)، (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا) (من ٣٧ الرعد)، ( وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) (من ١٠٣ النحل)، (وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (من ١١٣ طه)، (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (من ١٩٥ الشعراء)، (قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ) (٢٨ الزُّمَر)، (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (من ٣ فُصِّلت)، (وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (من ٧ الشُّورى)، (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) (من ٣ الزُخرف)، (وَهَٰذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا) (من ١٢ الأحقاف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s