الداروينية المؤمنة بالله (٢): مادةُ خَلقِ الإنسان إعجازٌ معرفي للقرآن العظيم

كيف نفهم هذا “التشارك المائي-الترابي” لتكوين مادة خَلْق الإنسان؟
هنا يتجلّى القرآن العظيم بإعجازٍ معرفي عظيم. فلقد ذكر اللهُ في القرآن الكريم تفاصيل كرونولوجية (زمانية) حدّد بموجبها البدايةَ التي تحتّم على الإنسان أن ينطلقَ منها في رحلته صوب “الاكتمال الخَلْقي”. فالإنسان لم يكتمل خِلْقةً، كما يظن الكثيرون، بين عشية وضُحاها، بل استغرقت عملية اكتمال خِلقته، بدايةً وتطوّراً وارتقاءً، ملايين عديدة من السنين. وهذا ما وافق القرآنَ العظيم عليه العلمُ التجريبي المعاصر.
إنَّ القرآن العظيم، اذ يُحدِّد الخلْق من ماء بدايةً لـ “الرحلة الخلْقية” لهذا الإنسان، يقرِّر حقيقةً لا قِبل لأحد بإنكارها. لقد خُلِق الإنسان بدايةً من ماء ثم من طين وذلك طالما كان الماء سابقاً للطين نشأةً وخلْقاً. فالماء سبق ظهورُه ظهورَ الطين بملايين السنين، بل أن الماء كان الأصل الوحيد لنشأة وخلْق الطين. فالطين خلقه اللهُ من ماء. وهذا هو السبب في “الأصل المائي” للإنسان “الترابي الخلْق”.
إنَّ الطين هنا، أو التراب في آيات كريمة أخرى، هو ليس الطين أو التراب كما تعرفهما الكيمياء. لنتدبّر الآية الكريمة التالية {الذي اَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأ خَلْقَ الإنسان مِنْ طِينٍ} (السجدة: 7). إنَّ الطين المَعني في هذه الآية الكريمة هو ليس الطين الميت الجامد، الذي لا حياة فيه، كما تعرفه الكيمياء مكوَّناً من مركبات ميتة. والتراب المَعني في آياتٍ كريمةٍ أخرى هو أيضاً ترابٌ حيٌّ يختلف عن التراب كما تعرفه الكيمياء مكوَّناً من مواد ميتة. فالطين والتراب، اللذان خُلق منهما الإنسان، كلاهما ينبض بالحياة! فنظرةٌ واحدة لِعيّنة واقعية من الطين، أو التراب، كفيلة بجْعلنا نتيقن من أن هذا الطين، أو التراب، ينبض بحياة تأتّت له بتواجد ملايين الكائنات المجهرية، التي يتعذّر علينا رؤيتها بالعين المجردة، فيه.
إذاً فـ “التراب الحي” و”الطين الحي”، بهذا المعنى القرآني المتفق تمام الاتفاق مع الواقع، كلاهما مخلوقٌ من الماء الذي هو أصل كل شيء حي. إن هذا الفيض من الحقائق التي كشف عنها النقاب القرآنُ العظيم ينبغي ان يجعل من علماء العلم التجريبي المعاصر، على أقل تقدير، يبادرون لتدبُّره بعقلٍ موقنٍ بأن هذا الكتاب لابد وأن يكون اِلهي الصياغة مادام قد تضمّن من المعارف ما لم يتسنَّ “لأحد غيرهم” الوقوع عليه. فكيف نجح رجل من أهل القرن السابع للميلاد في التوصُّل لحقائق كهذه؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s