الداروينية المؤمنة بالله (١): وخلقَ اللهُ من الماءِ كلَّ شيءٍ حَي

يحتدم النقاش هذه الأيام بخصوص الظاهرة الإنسانية؛ فمن قائل بأن الإنسان ظهر صدفة وإنه وليد حوادث عرضية لا غايةَ من وراء تسلسلها كانت تهدف الى ظهوره المعجز، ومن قائل بأن الإنسان لا يمكن أن يظهر هكذا ومن دون مقدمات تسبق ظهوره وتمهد له وفقاً لغائية هادفة تعهدت نشوءه وتطوره وارتقاءه، ومن قائل بأن الإنسان لا يعدو أن يكون مفردةً من مفردات هذا الوجود خلقه الله بلمح البصر.
سأحاول على امتداد سلسلة من المنشورات على هذه الصفحة، هذا هو جزؤها الأول، أن أطرح الأمر للنقاش من منظور يلتزم القرآن العظيم ويستهدي بهَديه القويم لعلنا أن نصل الى ما يُعين ويدفع بنا الى تبيُّن سبيل الصواب مادامت الظاهرة الإنسانية هي أكثر الظواهر في هذا الوجود غموضاً واستعصاءً على التفسير وفقاً للمنظومة المعرفية التي تسنّى للإنسان نظْمُها. فلماذا يعجز الإنسان عن العيش في راحة ودعة كباقي الكائنات الحية التي تُشاركه الوجود على هذه الارض؟ ولماذا يعاني أفراد النوع الإنساني من كل هذا الشقاء إذا كانوا حقاً، كما يزعم العلم النظري المعاصر، مجرد حيوانات لا تتميّز عن باقي الحيوانات إلا بعقلها الحاد المتوقِّد؟! وهل هو حقاً حيوانٌ كما يريده هذا “العلم” أن يُصدِّق؟
إن الوقائع التجريبية، ملاحظةً واختباراً، بوسعها أن تجعل منا عاجزين عن مقاومة اِغراء ما تضطرنا إليه من إيمان راسخ بالماضي الحيواني للإنسان، إلا أنَّ العلم النظري أبداً لن يكون بمقدوره أن يجعل منا مُلزَمين بالإيمان بما يتوهّمه من أباطيل بشأن “التطوّر الحيواني” لهذا الإنسان! فإذا كان الإنسان حيواناً، بمعنى أنَّ ماضيه كان حيوانياً، فإنَّ هذا لا يعني بأنه الآن، ومن بعد رحلة طويلة تطوراً وارتقاءً، حيوانٌ منتمٍ لعالم الحيوان انتماءَ “باقي الحيوانات” إليه! فالوقائع التجريبية تشهد بوجود “أصول” أخرى لـ “الظاهرة الإنسانية” غير الأصل الحيواني؛ هذا الأصل الذي يريدنا “العلم” أن نصدِّق معه بأوحديّته التي لا دليل يقينياً عليها. وهنا لابد لنا من الالتجاء للقرآن العظيم نتدبّره لنعرف الحقيقة التي ليس لنا ان نقع عليها الا بتدبّرنا لما حوته آياتُه البيّنات من حقائق تتعلّق بنشأة وتطوّر وارتقاء الإنسان.
إنَّ الاعجاز المعرفي المُبين لهذا القرآن لَيتجلّى واضحاً في قصة خلْق الإنسان وذلك لأن العلم التجريبي المعاصر ليس له إلا أنَّ يوافق ما ورد فيها من حقائق تشهد له بأنه حقاً كتابٌ إلهيٌّ حقيقيُّ الصلة بالله. بدايةً فإنَّ القرآن العظيم يُقرِّر بكل وضوح حقيقةً تتعلّق بالماضي المشترك لكافة المخلوقات الحيوانية. وهنا لابد لنا من وقفة قصيرة للتأكيد على حقيقةٍ أخرى تتعلّق بالتسمية المشتركة لكافة هذه المخلوقات {وَما مِنْ دابَّةٍ فِي الأرضِ وَلا طائرٍ يَطيرُ بِجَناحَيهِ اِلاّ اُمَمٌ أمثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الكتاب مِن شَيءٍ ثُمَّ اِلى ربهم يُحْشَرون} (الأنعام: 38)، {اِنَّ شَرَّ اٌلدَّوابِّ عِنْدَ اللهِ اٌلصُّمُّ الْبُكْمُ اٌلذِينَ لا يَعْقِلُونَ} (الانفال: 22).
كما وذكر اللهُ في قرآنه العظيم أنه خلق كل ما في السموات والارض من دابة من مادة واحدة هي الماء. فكل حيوانات السموات والارض يوحِّد بينها هذا الخلْقُ من مادة واحدة طالما كان اللهُ قد خلقها كلّها جميعاً من الماء {وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمشي على بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَن يَمْشي على رِجْلَينِ وَمِنهُمْ مَنْ يَمْشي على أرْبَعٍ يَخْـلُقُ الله ما يَشاءُ اِنَّ الله على كُلِّ شيءٍ قَديرٌ} (النور: 45). فكُلَّ شيء حي، نباتاً كان أم حيواناً أم إنساناً، خلقه الله من ماء. وهذا يعني أن هنالك حقاً ماضياً مشتركاً يوحّد بين جميع الكائنات الحية نباتية كانت أم حيوانية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s