متى وأينَ خيَّرَ اللهُ تعالى الإنسانَ: إما أن يتَّبِعَ هُداه وإما أن يُعرِضَ عن ذِكرِه؟

أَمَرَ اللهُ تعالى أبوَينا، آدمَ وزوجَه، بأن يسكُنا الجنة، وكفلَ لهما إقامةً فيها خالصةً من كلِّ ما يشوبُ الحياةَ خارجَها من عَناءٍ وشقاءٍ واحتياج، وذلك شريطةَ ألا يقربا شجرةً بِعَينِها عرَّفهما بها تحديداً لها وتشخيصاً من بين أشجارِ الجنةِ كلِّها جميعاً، وحذَّرهما من الاستماعِ لمخلوقٍ من الجن هو إبليس الذي أبى أن يسجدَ لآدمَ (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (١٩ الأعراف)، (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى) (١١٧- ١١٩ طه).
ولكن آدمَ عصا اللهَ تعالى فأنصَتَ لإبليسَ وأكلَ، هو وزوجُه، من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ عنها (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لّا يَبْلَى. فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) (١٢٠- ١٢١ طه).
ثم أنَّ اللهَ تعالى تابَ على أبوَينا، آدمَ وزوجِه، وذلك من بعدِ أن لقَّن آدم كلماتٍ دعواهُ بهن (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (٣٧ البقرة). ولكن الأمرَ لم ينتهِ بتوبةِ اللهِ تعالى على آدمَ وزوجِه! فلو أن الأمرَ انتهى بتوبةِ اللهِ عليهما لما تعيَّن عليهما أن يُخرَجا من الجنة!
وهنا نلاحظُ تغيُّراً في صيغةِ المخاطَبة، من المثنى إلى الجمع، وذلك كما يتبيَنُ لنا بتدبُّرِ ما أعقبَ توبةَ اللهِ تعالى على آدم وزوجِه من أحداثٍ حفظتها لنا الآياتُ الكريمةُ التالية: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (١٢٣- ١٢٤ طه).
كما ونلحَظُ تغيُّرَ الخطابِ هذا من صيغةِ المثنى إلى صيغةِ الجَمع فيما حفظته لنا سورةُ البقرة من قَصَصِ آدمَ وزوجِه (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ…. قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (٣٦، ٣٨-٣٩ البقرة).
وهذا هو عينُ ما حفظته لنا سورةُ الأعراف من قصَصِ أبوَينا (قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (٢٣- ٢٥ الأعراف).
وينطوي هذا التغيُّرُ في صيغةِ المخاطبةِ، من المثنى إلى الجمع، على مضامينَ بالغةِ الدلالة، منها أنَّ اللهَ تعالى وإن كان قد تابَ على آدمَ وزوجِه، فإنَّ توبتَهُ عليهما لم تكن لِتُقيِّضَ لهما أن يمكثا في الجنة، من بعدِ أكلِهِما من شجرتِها التي نهاهما اللهُ تعالى عنها، وذلك لأنَّ هذه الأكلةَ قد نجمَ عنها من الأضرارِ ما طالَ ذرِّيَّتِهما المكنونةِ في صُلبِ بُنيَتِهما، مما تعيَّنَ عليهما بالتالي أن يُخرجا من الجنةِ ويعودا إلى الأرضِ التي ستصبحُ مستقراً لهما ولذريَّتَهما إلى أجلٍ مسمى.
إذاً فاللهُ تعالى خيَّرَ الإنسانَ في الجنة، وذلك من بعدِ أن أكلَ أبواه من شجرَتِها التي نهاهما عنها، ومن قبلِ أن يُصارَ إلى إخراجهما منها وإرجاعِهما إلى الأرضِ التي عُرِجَ بهما منها إليها.
لقد خيَّرَ اللهُ تعالى الإنسانَ حينها إما أن يتَّبعَ هُداه فيكونَ من الناجين، وإما أن يُعرِضَ عن ذِكرِهِ فيكونَ من الهالكين.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s