في معنى قولِ اللهِ تعالى “لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ. فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ”

يُصِرُّ البعضُ على القَولِ بأنَّ هناكَ حداً أدنى من التديُّنِ بوسعِ المرءِ أن يُمارسَهُ فيكونَ بذلكَ عندَ اللهِ تعالى من عِبادِهِ الصالحين! ويقتصرُ هذا الحدُّ الأدنى من التديُّنِ على “ممارساتٍ شَكلية” لبعضٍ يسيرٍ فحسب مما فرضَهُ اللهُ تعالى على عِبادِهِ الذين اختاروهُ رباً لهم وإلهاً. وبذلك فإنَّ هذا البعضَ ينسى أنَّ اللهَ تعالى ما خلقَنا إلا لِنعبُده، وألاّ وجودَ هنالك على الإطلاق لما يُسمى ب “الحد الأدنى من التديُّن”! فأنت إما أن تتديَّنَ بِدينِ اللهِ تعالى التَدَيُّنَ الحق، وإما أن تُحسَبَ عند اللهِ تعالى من غيرِ المتدينين بدينِه الحق!
ولذلك فلا يصحُّ على الإطلاق أن نقولَ بأنَّ بوسعنا أن نكونَ من المتدينين بدينِ اللهِ تعالى التديُّنَ الحق، من دونِ أن يقتضيَ ذلكَ منا أن نأتمِرَ بكلِّ ما أمرَ اللهُ تعالى به! فإذا كان اللهُ تعالى قد أمَرنا في قرآنِهِ العظيم بأن “نتفكَّر في الدنيا والآخرة”، وإذا كان اللهُ تعالى قد امتدحَ “الذين يتفكَّرون في خَلقِ السماواتِ والأرض” فوصفَهم بأنهم “أُولوا الألباب”، فمَن نحنُ حتى يكونَ لنا أن نقولَ بألاّ حاجةَ لنا للتفكُّرِ في الدنيا والآخرة وفي خَلقِ السماواتِ والأرض حتى نكونَ من أُولي الألباب؟!
إنَّ الإحجامَ عن “التفكُّرِ في الدنيا والآخرة” ليس من التديُّنِ الحقِّ في شيء. وهذا الإحجامُ هو طريقٌ لن ينتهِيَ بصاحبِهِ إلا إلى ما سبقَ وأن انتهى إليهِ أولئكَ الذين آثروا الحياةَ الدُّنيا على الآخرة حتى نسوا يومَ الحِساب! وهذا الإحجامُ عن “التفكُّرِ في الدنيا والآخرة”، هو دأبُ أولئكَ الذينَ آثروا أن يغتابَ بعضُهُم بعضاً، وأن يتنابزوا بالألقاب، على التفكُّرِ في خَلقِ السماواتِ والأرض!
فإذا أردنا أن نُحسِّنَ تدَيُّنَنا، فنرتقيَ به إلى حد الإتقان، فإنَّ السبيلَ إلى ذلك يقتضي منا وجوبَ أن “نتفكَّرَ في الدُّنيا والآخِرة”، و”في خَلقِ السماواتِ والأرض”، وإن اقتضى ذلك منا أن نتفكَّر في “جنةِ المأوى” التي ما أصابَ مَن توهَّمَ التفكُّرَ فيها ضرباً من الإنشغالِ بالغيبيات التي لا طائلَ من وراءِ تدبُّرِها؛ هذا التدبُّرُ الذي إن نحنُ أعرَضنا عنه كنا من أولئكَ الذين تجاسروا على اللهِ تعالى الذي أمَرَنا بأن نتدبَّرَ آياتِ قرآنِه العظيم (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (٢٩ ص).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s