في عِلَّةِ عِبادة قومِ سيِّدِنا موسى للعجل

اتخذ قومُ موسى عِجلاً عبدوه من دونِ الله تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) (١٤٨ الأعراف)، (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ) (٥١ البقرة).
ولقد وردَ في القرآن العظيم ما من شأنه أن يُبين لنا فداحةَ الجُرم الذي اقترفه قومُ سيدنا موسى بعبادتهم العجل، وذلك كما يتبين لنا بتدبر الآيتين الكريمتين التاليتين:  (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (٩٣ البقرة)، (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) (١٥٢ الأعراف). فلماذا أقدم قومُ سيدنا موسى على هذا الفعل الذي يتناقضُ ويتعارضُ مع الإيمانِ بالله الواحد الأحد؟
يُعين على الإجابةِ على هذا السؤال أن نتدبَّر الآيات الكريمة التالية: 
1- (فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي) (٨٦ طه).
2- (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) (١٦ الحديد).
فقومُ سيدنا موسى طالَ عليهم العهدُ والأمد فجعل اللهُ تعالى قلوبَهم قاسيةً بما أخلفوا اللهَ تعالى ما وعدوه إذ عجِلوا أمرَ ربِِّهم ولم يصبروا لحكم الله الذي ما عجِل أمرَه أحدٌ إلا وعاجله بمكره فجعله يُقدم على ما سينتهي به لا محالة إلى الخروجِ على شرعِ الله تعظيماً لغيرِ الله وإشراكاً به سواه (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) (١٣ المائدة).
يتبين لنا مما تقدم أن العلةَ من وراءِ إقدامِ قومِ سيدِنا موسى على عبادةِ العجل ترجعُ إلى أنهم قد عجِلوا أمر ربِهم إذ طالَ عليهم العهدُ والأمد وظنوا بالله تعالى الظنونَ فتوهموا الباطلَ حقاً فأعرضوا عن الحقِ الذي ما تولى عنه أحدٌ إلا وحَكَّمَ الله فيه أولياءِ الباطل وأساطينه (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) (١٥٠ الأعراف).
يبقى أن نلاحظ أن الله تعالى لم يحُل بين قوم سيدنا موسى وبين عبادتهم العجل وذلك عقوبةً منه لهم على سوء ظنهم به والذي جعلهم يطولُ عليهم العهدُ والأمد، فقست بالتالي قلوبُهم فجعلهم ذلك يعبُدون العجل دون خوفٍ من الله ولا وجل!
لقد عجِلَ قومُ سيدنا موسى أمرَ الله فجعلهم ذلك يعبدون العجل. 
لنلاحظ هنا الجِناسَ القائم بين الكلمتين القرآنيتين الكريمتين: “عجِلَ” و”العجل”!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s