ما الذي قصدَ إليه إبليسُ بقوله “بما أغوَيتَني” والذي حفظته لنا الآيتان الكريمتان “قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ”

تحدثت في منشوراتٍ عديدة عن التمايز الذي هو قائمٌ بين لسان القرآن العربي المبين وبين لساننا العربي الذي اعوجَ على مر الأعوام وبتقادم السنين. ومن ذلك أننا نقرأُ الكلمةَ القرآنيةَ الكريمة “أغويتني” بلساننا العربي وليس بلسانِ قرآن الله العربي المبين، فننسى بذلك أن “الإغواءَ”، وفقاً لما تقضي به أحكامُ وقواعدُ اللسان العربي المبين، الذي نزل به قرآن الله العظيم، يعني غيرَ ما نفهمه من كلمة “الإغواء” بلساننا العربي المعاصر! ف “الاغواءُ” عندنا هو الإغراءُ والإضلالُ والتفننُ في جعلِ من نرومُ إغواءَه يضل سواء السبيل. أما “الإغواءُ” وفقاً للسان القرآن العربي المبين فهو الابتلاءُ والفتنةُ والتمحيصُ وذلك بُغيةَ الوقوعِ على “المعدن الحقيقي” لمن نرومُ إغواءَه. فالمرءُ لا يكشفُ عن معدنه الحقيقي إلا بالابتلاءِ والتمحيص. وانت لن تستيقن مِن أن الذي تُخالِلُ وتصاحبُ هو حقاً كما يزعمُ وكما تظن أنت إلا من بعد ان تعرِّضَه لنار الابتلاءِ والفتنةِ والتمحيص. ولذلك قال الله تعالى: (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور) (من ١٥٤ آل عمران)، (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (١٤٢ آل عمران)، (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (٢-٣ العنكبوت.)
ولذلك قال سيدنا نوح لقومه: (وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٣٤ هود.)
فسيدُنا نوح أخبر قومه بأنه لا يسعه أن يفعل شيئاً يَحولُ به دون أن يتعرض الله لهم بالفتنة والابتلاء والتمحيص، طالما كان الله يريد أن يبين لهم حقيقة معدنِهم ويكشف النقابً عن جوهرِ كينونتهم.
وهذا هو عين ما قصد إليه إبليسُ بقوله الذي حفظته لنا سورة الحجر في الآيتين الكريمتين ٣٩ و٤٠ منها:(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ . إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). فابليسُ أدرك أن الله تعالى قد “أغواه” إذ امتحنه وابتلاه بأمره له بأن يسجدَ لآدم؛ ذلك الأمرُ الذي كشفَ حقيقةَ إبليس والتي كانت خافيةً عن إبليس نفسه، وهي أنه يشتمل على تكبرٍ وغرور ما كان له أن يبقى بهما في الجنة. فلو لم يمتحنِ اللهُ تعالى إبليسَ ويبتليه بأمر السجود لآدم لما تبين ما كان يعتمل داخلَه من نيرانٍ مستعرةٍ من الغِلِ والحسدِ والتكبرِ والغرور.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن “الإغواء” هو تعريضُ من يرادُ تمحيصه إلى اختبارٍ وامتحان إن هو أخفق في اجتيازهما بنجاحٍ “أغويَ” فأصبح من “الغاوين”. وهذا هو مما بوسعنا أن نتبينه بتدبر الآيات الكريمة التالية: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ . قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ) (٦٢-٦٣ القصص)، (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ . قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ . قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ . فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ . فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ) (٢٧- ٣٢ الصافات).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s