في معنى قَولِهِ تعالى “لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ”

تُورد لنا سورة الأنفال في الآيتين الكريمتين ٦٢ و٦٣ منها جانباً من عظيم فضلِ الله تعالى على رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم: (وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). فتأليفُ اللهِ تعالى بين المؤمنين أمرٌ ما كان لأحدٍ غير الله تعالى أن يقوم به، حتى وإن كان هذا “الأحد” هو سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
ولكن ما العلةُ من وراء هذه “الاستحالةِ” التي جعلت أمرَ هذا “التأليفِ” أقربَ ما يكون إلى “المعجزة”؟
يُعينُ على الإجابة على هذا السؤال أن نستذكر الآية الكريمة ١٠٣ من سورة آل عمران: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا).
ولكن السؤالَ يبقى: “ولماذا كان المؤمنونُ أعداءاً قبل أن يقوم الله تعالى ب “التأليفِ” بين قلوبهم؟”
يتكفل القرآن العظيم بتقديم الإجابةِ على هذا السؤال. فلقد ورد في قرآنِ الله العظيم ما مفاده أن الإنسان، ومن بعدِ أكلِ أبويه آدمَ وزوجِه من الشجرة التي نهاهما الله تعالى عنها، قد أصبح يُعادي أخاه الإنسان دون الحاجةِ إلى سببٍ يوجب هذه العداوة. فكلُّ ما بمقدورِ أسباب العدوان هذه أن تقوم به بهذا الشأن هو ليس بأكثرَ من إذكائها لنارِِه. فالعدوان عند الإنسان له علةٌ كما أن له اسباباً، فإن عجزت الأسبابُ عن التعليل لهذا العدوان فلا مفرَّ عندها من أن نلتجأَ إلى ما جاءتنا به الآيات الكريمة التالية:
1- (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ) (٢٣- ٢٤ الأعراف).
2- (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ) (١٢٣- ١٢٤طه).
3- (فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (٣٧- ٣٩ البقرة).
يتبين لنا إذاً، وبتدبر هذه الآيات الكريمة، أن العلةَ من وراء “العدوان البشري” لا علاقة لها بما يحدثُ على الأرضِ من الأحداث ذات الصلة بالمغانمِ والمكاسبِ والثاراتِ والاحقادِ والأطماعِ وغيرِ ذلك من الأسبابِ سياسيةً كانت أم اقتصاديةً أم اجتماعيةً أم غيرِ ذلك، وذلك طالما كان الأمرُ موصولاً بالعلة من وراء هذا العدوانِ الذي تعينَ على الإنسانِ أن يخضعَ لسلطانه ما لم يَتَّبع ما جاءه به دين الله تعالى من هديٍ قويم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s