حقيقةُ نفسِ الإنسان كما يُجَلِّيها تَدَبُرُ آياتِ القرآن (1)

الإنسانُ مخلوقٌ استثنائيٌ فريد. وتتجلى فرادةُ الإنسان في هذا الذي هو عليه من تباينٍ واختلاف عن غيره من المخلوقات التي تتشاركُ معه في الأصلِ والمُحتد تشاركاً توهَّم داروين وغيرُه من التطوريين أنه كافٍ حتى يكون بمقدورنا أن نعلل لكل صغيرةٍ وكبيرة من أقوالِه وأفعاله بدلالةٍ من هذا التشارك!
ولقد فات داروين وغيرَه من التطوريين تبيُنُ الحقيقةِ التي مفادها أن الإنسانَ ذو تركيبةٍ فائقةِ التعقيد وأن هذه التركيبة الفريدة تسنى للإنسان أن يحظى بها بسببٍ من أنه “ذو نفسٍ” لا يمكن لنا على الإطلاق أن ننجح في التعليل لظهورها بالرجوعِ إلى “ماضيه” الذي يظن العلم ويتوهم أنه قد وضع يده عليه وأحاطَ بتفاصيله كلِّها جميعاً!
ف “النفسُ” كينونةٌ عصيةٌ على التعليلِ طالما كان ما تدعو الإنسانَ إلى القيامِ به لا يتوافق مطلقاً مع “برنامج الطبيعة” الذي يزعُم داروين وغيره من التطوريين أن الإنسانَ والنباتَ والحيوان لا يملكون ما يَحُولُ دون امتثالهم لأوامره ونواهيه!
فليس في “عالَمِ الطبيعة” كائنٌ يُفسدُ في الأرض إفسادَ الإنسان. فكيف يكون الإنسانُ إذاً صنيعةَ الطبيعةِ ونتاجَها، كما يزعم العلم، إذا كان ما يصدرُ عن الإنسانِ من الأفعال يتعارض مع “نظام الطبيعة” الذي يزعم العلمُ أنه قد نجح في كشفِه وتشخيصه؟!
قارن هذا الاخفاقَ الذريع من جانب العلم بما جَلَّاهُ وكشف النقابَ عنه قرآن الله العظيم من أن هناك كياناً مكوِّناً للإنسان، وذلك من بين مكوناتٍ عديدة، يُزيينُ للإنسانِ الإقدامَ على قول السوء وفعل السيئات. لنتدبر ما جاءتنا به سورة يوسف من كشفٍ بهذا الخصوص: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (53 يوسف).
وهذا الكيانُ الملازمُ للإنسان، مُلازَمةَ عقلِهِ له، لا يملك ما يجبرُ الانسانَ ويضطرُّه إلى تنفيذِ ما يأمره به. فالأمر بيد الإنسان، إن شاء استجاب لما تأمره به نفسُه وإن شاءَ أحجمَ وامتنع.
فلقد ورد في الآية الكريمة 30 من سورة المائدة (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
فإبنُ آدمَ قتل أخاه وذلك استجابةً منه لما أمرَته به نفسه. ولقد كان بمقدورِ “ابنِ آدمَ” القاتل ألا يستجيب لما أمرته به نفسه، ولكنه لم يكن على شيءٍ من مخافةِ الله وتقواه فكان لزاماً عليه أن ينفذ ما أمرته به نفسُه وزيَّنه له هواه!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s