في عِلةِ تقديمِ اللهِ تعالى ذِكرِ “الأرض” على “السموات العُلا” في الآية الكريمة ٤ من سورة طه

قدَّمَ اللهُ تعالى ذكرَ “السماوات” على “الأرض” في عمومِ قرآنِه العظيم، ومن ذلك قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) (من ١ الأنعام)، (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (من ١ فاطر)، (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (من ١١٧ البقرة).
غيرَ أنَّ هنالكَ مواطنَ في القرآنِ العظيم قُدِّمَ فيها ذكرُ الأرضِ على “السموات”، ومنها ما جاءتنا به سورةُ طه في الآيةِ الكريمةِ ٤ منها (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى). فما العلةُ من وراءِ هذا التبايُنِ في التقديمِ والتأخير؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى خلق السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيام (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) (من ٤ السجدة). ويكشف لنا تدبرُ هذه الآيةِ الكريمة النقابَ عن حقيقةٍ ذات صِلةٍ بخَلقِ السماواتِ والأرض، وهي أنَّ عمليةَ الخلقِ هذه، إذ استغرقت ستة أيام، فإنَّ ذلك يقودُنا لامحالةَ إلى الجزمِ بأن السماواتِ والأرضَ خُلِقتا “خلقاً تطورياً”، وأنَّ الأرضَ خُلِقت بعدَ أن خلقَ اللهُ تعالى السماوات.
وهنا لابد لنا وأن نستذكرَ أن القرآنَ العظيم يعني ب “السماواتِ” في هذه المواطن “الكونَ كله”. أما في تلك المَواطن التي يُقدِّمُ فيها القرآنُ العظيم ذكرَ “الأرضِ” على “السماوات”، فإنَّ هذا التقديمَ يعودُ إلى كونِ هذه السماوات هي “السماوات السبع”، والتي هي لا تشغلُ من الكونِ إلا مساحةً محدودةً للغاية.
هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فإنَّ السماوات السبع خُلِقت بعد اكتمالِ خلقِ الأرض، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بما بثَّهُ اللهُ تعالى فيها من حياةٍ مماثلةٍ لتلك التي في الأرض.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s