في معنى قولِهِ تعالى “أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ”

نقرأُ في سورة الروم وفي الآيتين الكريمتين 55-56 منها: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).
فما هو “كتاب الله” هذا الذي يلبث فيه الذين كفروا إلى يوم البعث؟
يُعين على الإجابة على هذا السؤال أن نستذكر ما جاءتنا به سورة المؤمنون في الآيتين الكريمتين 99 و 100 منها: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
فالبرزخُ الذي تتحدث عنه الآية الكريمة 100 من سورة “المؤمنون”  هو “الحجاب” الذي ضربه الله تعالى بين عالَمِنا وعالَمِ أولئك الذين سبقونا إلى “كتابِ الله” الذي شاءت إرادته تعالى أن تُحفظَ فيه الأنفسُ بعد موتها: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (42 الزمر). 
فالله تعالى إذ يتوفى الأنفسَ حين موتها فإنه “يُمسِكُها” وهي في طريقها من عالَمِنا إلى “عالَمِ كتاب الله” الذي سيتعينُ عليها أن تلبث فيه إلى يوم البعث.
وكلُّ نفسٍ قضى اللهُ تعالى عليها الموتَ لابد وأن ينال صاحِبَها نصيبُه من “هذا الكتاب” الذي قَدَّرَ اللهُ تعالى على كلِ نفسٍ قضى عليها الموتَ أن تلبث فيه المدة ما بين موتها وقيام الساعة. حتى إذا ما قامت الساعةُ أذن الله تعالى بقدومِ رُسُلِه من الملائكة المكلفين بتسلم واصطحاب الأنفسِ من “عالَمِ كتاب الله” إلى عَرصاتِ يوم القيامة حيث سيُنصبُ الميزانُ ويكون الحساب.
ولقد جاءتنا سورة الأعراف وفي الآيتين الكريمتين 37 و38 منها بما نصُّه: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ. قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ).
فهاتان الآيتان الكريمتان تتحدثان عن المجرمين الذين، ومن بعد أن يكون قد نالهم من “كتاب الله” الذي لبثوا فيه ما شاء الله تعالى لهم نصيبهم المفروض، سيأتي إليهم رُسُلُ الله من ملائكته المكلفين بهم ليصطحبوهم إلى الحساب ومن بعد ذلك الى العذاب في نار جهنم وبئس المصير.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s