في معنى قولِهِ تعالى “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”

هذا هو المنشورُ الثالث من سلسلة المنشورات التي سوف أتطرق فيها إن شاء الله إلى تبيان الفرق بين: ما بين أيدينا من “تفسيرٍ” لآياتٍ كريمة بعينها، وبين تفسيرها الذي كان سائداً أيام َ الإسلام الأولى يومَ كان الناسُ يتحدثون بلسانٍ عربيٍ مُبين جعل من اليسير عليهم أن يتبينوا المعنى الذي تنطوي عليه آياتُ القرآن العظيم، وذلك قبلَ أن تختلط العربُ بالأعاجمِ وتشيع فيهم عُجمةٌ حالت دون أن يكون بمقدورهم أن يتبينوا معنى كثيرٍ من آيات القرآن العظيم دون وساطةٍ من “تفاسيرَ” نأت بهم بعيداً عن معنى آيات القرآن العظيم هذه. ويتجلى هذا الذي جناه على لساننا العربي المُبين اختلاطُ العربِ بالأعاجم، بعد انقضاءِ أيامِ الإسلام الأولى، في عجزنا عن تبيُّن معنى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (من 11 الرعد).
فنحن نستشهدُ بهذه الآيةِ الكريمة كلما عنَّ لنا أن نُذكِّر أنفُسَنا أو الآخرين بهذا الذي يقتضيه الأمرُ حتى يُغيرَ اللهُ أحوالَنا مما هي عليه من عُسرٍ وشدة إلى ما نرجوه ونأملُه من فرجٍ ويُسر. وهذا الذي يقتضيه ويتطلبه هذا الأمر هو لا أكثرَ مِن أن “نُغير ما بانفسنا” حتى “يُغير اللهُ ما بنا”، وذلك كما نظنُ ونتوهم أنه المعنى الذي تنطوي عليه وتتضمنه هذه الآية الكريمة!
وهذا هو عينُ الضلال البعيد! فالقرآن العظيم إذ يقول “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” فإنه يُحذر الذين آمنوا من أن يغيروا حالَهم مع الله تعالى امتثالاً من جانبهم وانصياعاً لما يأمرُهم به دينُه الحنيف وذلك لئلا يعود عليهم ذلك بما يجعلُهم يدفعون الثمن غالياً وذلك ب ” تغييرِ الله تعالى” ما بهم من نِعَمِهِ وأنعُمِهِ ونََعمائهِ التي أغدقها عليهم فهم فيها يرفلون.
وهذا هو عينُ ما ورد في سورة الأنفال في الآية الكريمة 53 منها: ( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).
ويؤكد هذا الذي ينبغي أن تكون عليه مقاربةُ قوله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” أننا لا نجد في القرآن العظيم ما يشير الى أن للتغيير عائداً “ايجابياً” على الإطلاق. ف “التغيير” وردَ ذكرُه في القرآن العظيم مرتين، غيرَ المرتين المذكورتين أعلاه، وذلك في قوله تعالى: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا) (من 119 النساء)، و(وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) (من 15 محمد). 
ويتضح لكل من يتدبرُ هاتين الآيتين الكريمتين أن معنى “التغيير” الذي تشير اليه كلٌ منهما لا يمكنُ أن يقالَ عنه إنه تغييرٌ “إيجابي” أي من الأسوء إلى الأفضل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s