ضوابطُ ومُحدِّداتُ الزينةِ والتبرُّجِ في القرآن العظيم

لن نُمَكَّنَ من فقه القرآن العظيم إن نحن أصررنا على أن لا نُريدَ ما يُريدهُ الله. فكيف يفتحُ القرآنُ العظيم أبوابَه لمن لا يريدُ ما يريده الله؟ فالله يريد الآخرة ونحن نريدُ عَرَضَ الدنيا، وأنَّى لهاتين الإرادتين أن تتماهيا؟! (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) (من 67 الأنفال).
ولقد عادَ علينا هذا الإصرارُ من جانبنا على تحكيم الدنيا في قرآنِ الله العظيم بما جعلنا ننأى بعيداً عن مُرادِ الله تعالى منا، وبما انتهى بنا بالتالي إلى أن نقارب الكثيرَ من آياته الكريمة مقاربةً لا علاقة لها على الإطلاق بالحق والحقيقة! وإلا فكيف فاتنا أن نُدركَ أن الله تعالى لم يخلق هذه الحياةَ الدنيا لتكون “منتهى أملِنا ومدارَ علمِنا”! ولنا في مسألة “الزينةِ والتبرج” في القرآن العظيم مثالاً بمقدوره أن يكشفَ لنا فداحةَ هذا الذي جنَته علينا عقولُنا بهذا الإنشغال منها بالحياة الدنيا، حتى وهي تقرأُ القرآن العظيم الذي هو “كتاب آخرة” قبل أن يكون كتابَ حياةٍ دنيا!
فلو أننا حكَّمنا القرآنَ في دنيانا لتبين لنا أن مقاربتَنا لهذه المسألة جعلتنا نُخفِقُ إخفاقاً ذريعاً في تبيُنِ حقيقتها؛ هذه الحقيقةُ التي كان يكفينا لنتبينها جليةً واضحة أن نتدبر ما جاءتنا به سورة الأحزاب في آيتيها الكريمتين 28 و 29: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا).
وهذا الذي “فصَّلته” هاتان الآيتان الكريمتان من سورة الأحزاب “أجملته” لنا الآيةُ الكريمة 4 من سورة التحريم: (إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ).
فاللهُ تعالى وجَّهَ رسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بوجوبِ أن يأمر أزواجه بأن لا يتشبَّهن بالنساء اللاتي كُنَّ يتبرجن تبرُّجَ “الجاهليةِ الأولى” حرصاً منهن على اجتذاب الأنظار وتغذيةً منهن بالتالي لما يستعرُ في نفوسهن من نارٍ وأوار: (وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ) (من 33 الأحزاب). فالنساءُ في “الجاهليةِ الأولى” كُنَّ لا يُؤمِنَّ بغير هذه الحياة الدنيا، ومن هنا جاء انشغالُهُن بزينتهِن وتبرجهن وبما يكشف النقاب عن هذا الذي كان يعتمل داخلَهُن من يأسٍ من الآخرةِ شبَّهته لنا سورةُ الممتحنة ب “يأس الكفار من أصحاب القبور”: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) (13 الممتحنة).
والآنَ، وبعد هذه المقدمة لابد لي من أن أُبينَ معنى الزينةِ والتبرج وذلك وفقاً لما جاءنا بشأن كلٍ منهما قرآنُ الله العظيم. فالزينة، وفقاً لما ورد بشأنها في القرآن العظيم، هي كل ما تضعه المرأة على بدنها من حُليةٍ بغية التزيُّنِ بما هو جميل. أما التبرُّجُ، وفقاً لما ورد بشأنه في القرآن العظيم، فهو المبالغةُ في التزيُّن بالحلي والإمعانُ في ذلك والاستزادة. فالأمر إذاً لا علاقة له بالمساحيق والأصباغ وذلك كما شاعَ فينا وراج!
ونحن إن أردنا أن نوجز المُحدداتِ والضوابطَ التي لابد من التقيد بها في مسألة الزينة والتبرج، وذلك كما وردت في القرآن العظيم، فليس هنالك أمامنا غير أن نعيد مقاربةَ هذه المسألة آخذين بنظر الإعتبار الحقيقة التي مفادها أن الله تعالى ما أنزل قرآنه العظيم إلا ليُبين لنا أن هذه الحياة الدنيا هي ليست كلَّ ما هنالك وأن الانشغالَ بزينتها وزخرفها وبَهرَجِها لن يعود علينا إلا بالخسران المبين.
ويبقى أمرُ تحديدِ “القدر الكافي” من الزينة، حتى لا يكون تبرجاً يمقتُه الله تعالى، “مسألةً فردية” تُناط بهذه أو تلك من نساء هذا الزمان اللائي آثرن أن يُردن ما يريدهُ الله على ما تريدُه نفوسُهن، أَمَا وقد أيقنَ أنهن إن أردن ان يكن من المحسنات فلا سبيل أمامَهن غير أن “يُردن اللهَ ورسولَه صلى الله تعالى عليه وسلم والدارَ الآخرة”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s