لماذا أمرَ اللهُ تعالى رسولَهُ الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم أن يقولَ للمؤمناتِ بأن “يَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ”

يُعين على الإجابة على هذا السؤال أن نستذكر حقيقةً مفادها أن كلماتِ اللغةِ، أيِّ لغة، قد تتغيرُ دلالاتُها على مر الزمان. ومن ذلك ما كنت قد ذكرتُه في منشورٍ لي سابقٍ عنوانُه: “لو سلَّمنا جدَلاً بأنَّ اللهَ تعالى قد أوجبَ “الحِجابَ” على النساءِ حقاً… فما هي الأسبابُ المُوجِبةُ لذلك؟”. فالحجابُ الوارد ذكره في الآية الكريمة 53 من سورة الأحزاب: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ)، هو غير “الحجاب” الذي ترتديه النساءُ في زماننا هذا! 
وينسحبُ هذا التغايرُ في المعنى بين ماضٍ وحاضر على كلمة “الخِمار”. فالخمار الذي ورد ذكره في الآية الكريمة 31 من سورة النور، بصيغة الجمع: (يَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)، هو غيرُ “خمار” النساء في هذا الزمان. ف”الخمار” الذي قصد إليه القرآن العظيم هو الوشاحُ الذي كانت النساءُ يضعنه على اكتافهن، والذي كان أقربَ ما يكونُ إلى عباءةٍ قصيرة كان يلقى بها على الكتف استكمالاً لمفردات اللباس الذي تواضع عليه الناسُ في ذلك الزمان اظهاراً للمنزلةِ الاجتماعيةِ وتمييزاً للموسرين عن غيرهم من الفقراء المعدمين. ولذلك أمر الله تعالى رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يقول للمؤمنات أن: (يَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ). فالجيوبُ هي المساحة من أبدانِ النساءِ الممتدةُ من الرقبةِ وحتى أعلى الصدر، وهي المنطقة التي عادةً ما تكون الموضعَ الذي تغطيه النساء بالحُلي من القلائد وسواها. فالله تعالى كان يريد من المؤمنات أن يغطين تلك المساحةَ المزينة بالقلائد وسواها وذلك بأن يضربن عليها بخمرهن اي بأوشحتهن حتى لا يُعلم ما يضعنَ من زينتِهن.
وهذا هو عينُ ما بوسعنا أن نتبينه بتدبرنا ما جاءتنا به الآية الكريمة ذاتها من سورة النور في مقطعٍ كريمٍ آخرَ منها هو: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ) (من31 النور). ذلك أن النساءَ في الجاهليةِ كُنَّ إذا ما سِرنَ في طريقٍ يضربن بأرجلهن على قارعتها فتصدرُ تبعاً لذلك اصواتٌ من حجولهن التي في أرجلهن ليُظهِرن بها أنهن ثرياتٌ موسرات. ولقد نهى الله تعالى المؤمنات عن التشبُّه بنساء الجاهلية الأولى وذلك بأمره رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بأن يُنبِّئهُن بما جاءته به آيةُ سورةُ النور هذه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s