في معنى قولِهِ تعالى (فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا).. درجاتُ الحضورِ الإلهي في الوجود

لله تعالى “حضورٌ” في الوجودِ لولاه لزالَ الوجودُ وتلاشى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (41 فاطر)، (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (65 الحج).
فالحضورُ الإلهيُ في الوجودِ هو العلةُ من وراءِ “تماسك الوجودِ واستقراره”، حتى يأذن اللهُ بمجيء يومٍ يزول فيه الوجودُ ويتلاشى، وذلك من بعد أن يكُفَّ اللهُ تعالى عن “إمساكه”، فتقوم القيامةُ ويأتي اللهُ ب “أرضٍ أخرى” و”سماواتٍ أخرى”: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (48 إبراهيم).
إلا أن لهذا “الحضورِ الإلهي” في الوجودِ درجاتٍ تتفاوتُ فيما بينَها وتتباين شدةً وكثافة، وذلك حسبما يقتضيه سياقُ الأحداثِ التي قدَّر اللهُ تعالى لها أن تكونَ من وقائعِ هذا الوجود.
صحيحٌ أن كثافةِ “الحضور الإلهي” في الوجود هي هي ذاتُها في الغالب الأعم والسواد الأعظم من ربوعه واصقاعه، إلا أن هنالك “سياقاتٍ” تقتضي وجوب أن تشتدَ كثافةُ هذا الحضور “حتى يقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولا”. ومن ذلك ما حدث للجبلِ الذي “تجلى له اللهُ” فجعله هذا “التجلي” يندكُ وينهار. والذي حدث فجعل هذا الجبلَ يُصبح “اثراً بعد عين” هو لا أكثرَ من اشتدادٍ في كثافةِ “الحضور الإلهي”، حيثُ كان الجبلُ، وذلك بالمقارنةِ مع ما كان عليه الحالُ عندما كانت كثافةُ هذا “الحضورِ” هي بالقَدرِ الذي يكفُلُ للجبل كيانَه وتماسُكَه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s