ما معنى أن يكونَ بَنُو آدمَ “خلائفَ في الأرض”؟

يقتضي تدبُّرُ القرآن العظيم منا وجوبَ أن لا نعجلَ فيه وبما يجعلنا ننتهي إلى الوقوعِ على غير ذي المعنى الذي تنطوي عليه هذه الآيةُ القرآنيةُ الكريمة أو تلك. فتدبر القرآن العظيم ليس بالأمر الهيِّن حتى يكونَ لنا أن نقول فيه ما نشاء! فالقرآن العظيم كلٌّ متكاملٌ ولا يستقيم أمرُ تدبره إلا من بعد أن نقرأ الآيةَ الكريمةَ مدارَ التدبرِ على ضوءٍ من كلِ آيةٍ كريمةٍ أخرى، أو آياتٍ كريمةٍ أُخر، ذاتِ صلةٍ من قريبٍ أو بعيد بها.
ولقد نجم عن التفريط في هذا الذي يقتضيه تدبرُ القرآن العظيم أن أصبحنا نسارعُ في إطلاق الأحكام بشأن ما تنطوي عليه هذه الآيةُ الكريمة أو تلك من معنى وذلك من قبل أن نستعرضَ مواطنَ١ قرآنيةً أخرى لا مناص من الاحتكام إليها إن نحن أردنا أن نُمكَّنَ من هذا المعنى. وإلا فكيف نعلل لما أقدم عليه أولئك الذين قاموا بتعميمِ “خلافةِ آدمَ” في الأرض فجعلوها عامةً للبشر كلِهم أجمعين؟! فالله تعالى جعل آدمَ في الأرضِ “خليفة” ولم يجعل البشر كلَهم جميعاً في الأرض “خليفة”: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة). 
فاللهُ تعالى جعلَ آدمَ يخلفُ من كان يُفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولم يجعل بَنيه يخلفونهم وذلك لأنهم لم يكونوا قد ولدوا بعد! فالذي تشير إليه هذه الآية الكريمة بكلمة “خليفة” هو آدم فحسب! فنحن لم نكن قد ولدنا بعدُ حتى يُشارَ إلينا بكلمة “خليفة “! وهذا أمرٌ منطقيٌ وذلك طالما كان آدمُ هو الذي خَلفَ القومَ المفسدين في الأرض، وليس نحن!
وإلى أولئك الذين ما زالوا مُصرِّينَ على أن كلمة “خليفة” تعني ما تعلقت به قلوبُهم من “تسلطٍ وسلطةٍ ورياسة” أورد الآيات الكريمة التالية علَّهم يُدركون أنَّ كلمة “خليفة” لا يمكن أن تحتملَ المعنى الذي تعلقت به قلوبُهم، وأنَّ معناها الوحيد هو ما كان ذا صلةٍ بمن قَدَّر اللهُ تعالى له أن يخلِفَ مَن سبقوه: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (165 الأنعام)، (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚفَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا) (39 فاطر)، (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) (14 يونس)، (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ) (73 يونس).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s