بماذا تتمايزُ نظرةُ النَّصِّ القرآني إلى ماضي الإنسان التطوري عن نظرةِ “العقلِ العلمي”؟

في منشورٍ سابقٍ لي عنوانه “كيف سبقَ النصُّ القرآني العقلَ العلمي إلى الحديثِ عن ماضي الإنسان الحيواني؟”، تحدثتُ عن “سبقٍ معرفي” لابد لكلِّ مَن يتدبَّرُ ما وردَ في القرآنِ العظيم من نصوصٍ إلهيةٍ تتحدثُ عن “أصلِ الإنسان” من أن يُقِرَّ له به. فالقرآنُ العظيم سبقَ العلمَ إلى تبيانِ حقيقةٍ تخصُّ “أصلَ الإنسان” مفادُها أنَّه “كائنٌ ذو أصلٍ حيواني”! ولكنَّ هذا السبق المعرفي، الذي لابد من أن يُسجَّل لهذا القرآن، ينطوي على “كَشفٍ معرفي” لم يُقدَّر للعلم أن يضعَ يده عليه؛ وأنَّى للعلمِ أن يضعَ يدَه على ما قد غُيِّبَ عنه فحالَ ذلك دون أن يكونَ بمقدورِه أن يتعاملَ معرفياً معه تعامُلَه مع مفرداتِ هذا الواقع؟! فالقرآنُ العظيم إذ يُحدِّثُنا عن “أصلٍ حيواني للإنسان”، فإنَّه يذكرُ لنا أيضاً أنَّ الإنسانَ ما كان له أن يظهرَ إلى الوجود، بنسختِه التي نعرفها، لولا أنَّ اللهَ تعالى تدخَّلَ تدخُّلاً مباشراً في “تخلُّقِه” و”صيرورتِه”، وذلك من بعدِ أن قُدِّرَ لطائفةٍ من أسلافِ الإنسانِ الأواخر أن تُصيبَها “لوثةٌ” جعلتها كائناتٍ “غيرَ طبيعية” تُفسِدُ في الأرضِ وتسفِكُ الدماء. ولقد نجمَ عن هذا “التدخل الإلهي المباشر” أن وُلِدَ سيدُنا آدم طفلاً صحيحاً مُعافى من آثارِ تلك اللوثة، وذلك من بعدِ أن نفخَ اللهُ تعالى فيه من روحِه فقال له “كن فيكون”، فصيَّرته هذه النفخةُ الإلهيةُ المباركة “إنساناً في أحسنِ تقويم”!
كما أنَّ القرآنَ العظيم يكشفُ لنا النقابَ عن “أصلٍ آخر” للإنسان، غير الأصلِ الحيواني، وغير التدخُّلِ الإلهي المباشر الذي أصلحَ ما كانت قد أفسدته تلك اللوثةُ التي أصابت قومَه، وذلك بحديثِه عن تلك الشجرة التي أمرَ اللهُ تعالى آدمَ وزوجَه ألا يأكلا منها، فكان أن نجمَ عن أكلِهما منها ما جعلَ الإنسانَ “يستعيدُ ويسترجعُ” بعضاً من ماضي أسلافِه الذين كانوا “يُفسدون في الأرضِ ويسفكون الدماء”.
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ القرآنَ العظيم يقولُ في الإنسان ما ليس بمقدورِ العلمِ أن يقولَه فيه، وذلك بتبيانِهِ أنَّ الإنسانَ نِتاجُ “أصولٍ متعددةٍ” من بينِها أصلهُ الحيواني؛ هذا الأصلُ الذي نجمَ عن إصرارِ العلمِ على القولِ بأنه أصلُ الإنسان الوحيد ما جعلَه عاجزاً عن أن يعرفَ الإنسان المعرفةَ الحقة التي لن يكونَ بمقدورِه أبداً أن يتبيَّنَها على ما هي عليه حقاً وحقيقة إلا بالالتجاءِ إلى هذا القرآن!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s