كيف سبقَ النصُّ القرآني العقلَ العلمي إلى الحديثِ عن ماضي الإنسان الحيواني؟

تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن حقيقةٍ ذاتِ صلةٍ بأصلِ الإنسانِ مفادُها أنَّ القولَ بـ “التطور” لا يلزمُ عنه وجوبُ الإيمانِ بـ “نظرية التطور”! فنظرية التطور تفرضُ وصايتَها على كلِّ ما هو ذو صلةٍ بتطورِ الحياةِ وأصلِ الإنسان! وهذه النظريةُ تسعى جاهدةً إلى جعلِ كلِّ مَن يريدُ أن يبحثَ في مسألةِ “أصلِ الإنسان” مضطراً إلى الأخذِ بما تقولُ به بهذا الشأن، ومن ذلك قولها بأن لا حاجةَ هنالك على الإطلاق إلى القولِ بأنَّ اللهَ هو مَن جعلَ الحياةَ تنحى منحاها التطوري الذي كان الإنسانُ خاتمتَه!
والآن، ومن بعدِ ما تبيَّن لنا أنَّ القولَ بـ “التطور” لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بـ “نظرية التطور”، فإنَّ الوقتَ قد حانَ لأن نتحرَّرَ من تلك الأحكامِ التي أطلقَها أولئك الذين ظنوا أنَّ عدمَ الإيمانِ بـ “نظرية التطور” يلزمُ عنه وجوبُ ألا نؤمنَ بـ “التطور”! فـ “التطور” سُنةٌ إلهيةٌ قضى اللهُ تعالى بأن تلتزمَ بها مخلوقاتُه كلها جميعاً بحذافيرِها. ومن لا يقولُ بـ “التطور”، فإنما يحكمُ على نفسِه بأنَّه لم يرَ هذا الواقعَ الذي خلقَنا اللهُ تعالى مؤهَّلينَ لأن نحيطَ بهِ!
فالماضي الحيواني للإنسان حقيقةٌ لا يُماري فيها إلا كلُّ مَن حكَّمَ عقلَه في الوقائعِ والحقائق لينتهيَ به الأمرُ بعدَها إلى الوقوعِ على خيالٍ من نسجِ عقلِهِ هو أبعدُ ما يكونُ عن الحقيقةِ والواقع! ولقد سبقَ القرآنُ العظيم العلمَ إلى القولِ بماضي الإنسان الحيواني، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ ما وردَ فيه من قصَصِ سيدِنا آدم. فاللهُ تعالى أسكنَ آدمَ وزوجَه الجنةَ وأمرهما بألا يقربا شجرةً بعينِها (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) (19 الأعراف). فحدثَ ما حدث وأكل آدمُ وزوجُه من تلك الشجرة، فما الذي نجمَ عن ذلك؟: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ) (من 22 الأعراف)، (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (من 121 طه).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هاتين الآيتَين الكريمتَين، أنَّ أولَ ما تسببَت به تلكَ الأكلةُ كان أن أصبحَ كلٌّ من آدم وزوجه “عارييَن”. ويذكرُنا هذا “العَري المفاجئ” بسابقِ تحذيرِ اللهِ تعالى لآدم وزوجِه من مغبةِ الاستماعِ لغوايةِ إبليس: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى(117)إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى) (116- 118 طه).
كما ويُذكِّرنا هذا “العَري المفاجئ” بما جاءتنا به سورةُ الأعراف في آيتِها الكريمة 20 (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا)، كما ويذكِّرُنا أيضاً بما جاءتنا به هذه السورةُ الجليلةُ في آيتِها الكريمة 27 (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا).
إذاً فآدمُ وزوجُه كان عليهما لباسٌ نزعَه الشيطانُ عنهما بُعيدَ أكلِهما من تلك الشجرةِ، وذلك بعد أن استمعا لغوايته، فأصبحا عاريَين. فما الذي يمكنُ أن يكونَ “لباسُهما هذا” إن لم يكن “غطاءَهما الشَّعري” الذي ورثاه عن ماضيهما الحيواني؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s