إن لم تكن الطبيعةُ هي مَن أفسَد الإنسان.. فمن الذي أفسده إذاً؟

في منشورٍ سابقٍ لي عنوانه “الإنسانُ والطبيعة.. مَن أفسدَ مَن؟” خلصتُ إلى أنَّ الطبيعةَ لا يمكنُ أن تكون هي من أفسدَ الإنسان، وذلك لأنَّ القولَ بخلافِ ذلك يلزمُ عنه تناقضٌ بيِّنٌ لا يستقيمُ مع ما تجلَّى لنا من أحوالِ الطبيعةِ على مرِّ العصور وكَرِّ الدهور. فإن لم تكنُ الطبيعةُ هي مَن أفسدَ الإنسان، فمن أفسده إذاً؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ جملةً من الحقائق، سأحاول إيجازَها بما يلي:
1- على الرغمِ من أنَّ الإنسانَ كائنٌ “غيرُ طبيعي”، فإن ذلك لا يحولُ دون أن يظهرَ عليه ما يُشيرُ إلى وشائجِ “صلةٍ ما” بينه وبين كثيرٍ من حيوانِ الأرض. وهنا لابد من الإشارةِ إلى أنَّ القولَ بهذه الصلةِ بين الإنسانِ والحيوان لا يلزِمُ عنه ضرورةُ الإيمانِ بـ “نظرية التطور”! فالتطورُ حقيقةٌ فرضَت “نظريةُ التطور” وصايتَها عليها، وذلك لأنها ظنَّت وتوهَّمت بأنَّ ماضي الإنسان الحيواني يكفي للتعليلِ لهذا الذي هو عليه الإنسانُ كياناً وفعالياتٍ! فالإنسانُ كيانٌ “استثنائي”، وذلك بشهادةِ تناشُزِه مع الطبيعة في الوقتِ الذي تشهدُ كثيرٌ من مفرداتِ كيانِه هذا بأنَّ بينه وبين حيوان الطبيعة صلاتِ قربى لا يمكنُ إنكارُها.
2- إنَّ الطبيعةَ عاجزةٌ تمامَ العجزِ عن أن تُنتِجَ كائناً يتعارضُ وجودُه مع مُخطَّطِها التطوري. فالطبيعةُ لا تُنتِجُ إلا كلَّ ما هو متوافقٌ مع هذا المخطط الذي يقتضي منا وجوبَ أن نبحثَ عن العلةِ التي تسبَّبت في “إفسادِ الإنسان”، وذلك بعيداً عن “مجالها الحَيوي” الذي ما كان له أن ينبثقَ إلى الوجودِ لولا هذا المخطط.
يقودُنا التدبُّرُ فيما تقدَّم لا محالة إلى استنتاجٍ مفادُه أنَّ هنالك “ظروفاً أخرى”، تعجزُ الطبيعةُ التي نعرفها عن توفيرِها، هي ما يتوجَّبُ علينا أن نستقصِيَ أمرَها، وذلك حتى يتسنى لنا أن نضعَ يدَنا على العلةِ التي تسبَّبت في جعلِ الإنسانِ كياناً “غيرَ طبيعي”. وهنا لابد لنا من أن نُقِرَّ بأنَّ الوقتَ قد حانَ حتى نتوجَّهَ إلى ما بين أيدينا من “نَصٍّ ديني” بمقدورِه أن يُعينَنا على إبصارِ ما غيَّبَه “الغيبُ” عن أنظارِنا. وهذا النَّصُ الديني هو قرآنُ الله العظيم الذي إن نحن تدبَّرنا ما وردَ فيه من أنباءِ “أصلِ الإنسان”، فلن يكونَ بالعسيرِ علينا أن نتبيَّنَ أنَّ كثيراً من آياتِه الكريمة تتحدثُ، وبإسهاب، عن هذه “الظروف الأخرى”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s