ما هي النفس اللوامة؟ وما هي النفس المطمئنة؟

يأبى الإنسانُ إلا أن يُحكِّمَ عقلَه في دينِ اللهِ تعالى إصراراً منه على أن يحتكمَ إلى ما تقضي به قواعدُ “المنطقِ الإنساني”، وإمعاناً منه بالتالي في تصييرِ الحقِّ وجعلِهِ يوافقُ ما يظنُّ ويتوهَّمُ أنَّه ما ينبغي أن يكونَ عليه هذا الحق! وإلا فكيفَ لنا أن نُعلِّلَ بهذا الذي خرجَ به علينا مَن تجرَّأ على قرآنِ اللهِ العظيم وتجاسرَ على حرمةِ نصِّهِ الإلهي المقدس فصاغَ لنا تقسيماً افتراضياً خُيِّلَ إليه معه أنَّه يُعينُ على تبيانِ رحلةِ النفسِ البشرية في “ترقِّيها الروحي” المزعوم في هذه الحياةِ الدنيا من “نفسٍ أمارةٍ بالسوء” إلى “نفسٍ لوامة”، وإلى “نفسٍ مطمئنةٍ” خاتمةَ المطاف؟!
صحيحٌ أنَّ القرآنَ العظيم قد أنبأَنا بكلٍّ من “النفسِ الأمارةِ بالسوء” و”النفسِ اللوامة” و”النفسِ المطمئنة”، إلا أن ذلك لا يُسوِّغُ لنا أن نزعمَ بأنَّ الإنسانَ ذا “النفسِ الأمارةِ بالسوء” إن هو جدَّ واجتهدَ بمقدورِه أن يترقَّى إلى “النفس المطمئنة” في هذه الحياةِ الدنيا، وذلك من بعدِ نجاحِه في الاستفادةِ من المحنةِ التي ستضطرُّهُ إلى أن يخوضَ غمارَها نفسُه اللوامة!
فالقرآنُ العظيم يكشفُ لنا النقابَ عن حقيقةِ النفسِ البشرية التي لا تتورَّعُ عن الزَّج بصاحبِها في أتونِ المعصية، حتى إذا ما أوقعته في سعيرِها انبرت لتجعله يستشعرُ الندمَ على ما جنَته يداه (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ) (30- 31 المائدة). وهذا الذي حفظَه لنا قرآنُ اللهِ العظيم من قصَصِ ابنِ آدم الذي قتلَ أخاه، هو عينُ ما أوجزته امرأةُ العزيز بقولِها الذي حفظته لنا سورةُ يوسف في آيتِها الكريمة 53 (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي).
كما وأنبأنا القرآنُ العظيم عن حالِ النفسِ البشرية يومَ القيامة، يومَ يعضُّ الظالمُ على يدَيه ويتبيَّنُ أن ليس هنالكَ من أحدٍ يلومُه إلا نفسَه (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ. أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ. بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ. بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ. يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) (1- 6 القيامة).
وهذا هو عينُ ما جاءتنا به سورةُ إبراهيم في آيتِها الكريمة 22 إذ ذكرت لنا ما سيقولُه الشيطانُ يومَ القيامة مخاطباً أولئك الذين ما كان له عليهم من سلطانٍ إلا أن دعاهم فاستجابوا له: (فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُم).
إذاً فلا وجودَ لـ “النفسِ اللوامة” في هذه الحياةِ الدنيا. فالنفسُ اللوامة من مفرداتِ عالمِ القيامة. وينسحبُ الأمرُ هذا على “النفسِ المطمئنة” التي أنبأنا القرآنُ العظيم بما سيكونُ عليه حالُها يومَ القيامة، وذلك بما جاءتنا به سورةُ الفجر في آياتِها الكريمة 27- 30 (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ. ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. فَادْخُلِي فِي عِبَادِي. وَادْخُلِي جَنَّتِي).
فالذين آمنوا وعملوا الصالحات هم في وَجلٍ وخوفٍ من اللهِ تعالى ماداموا في هذه الحياةِ الدنيا، ولن تطمئنَّ النفسُ منهم إلا يومَ القيامة، يوم تُبشِّرُهم الملائكةُ بألا خوفَ عليهم ولا هم يحزنون (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (30- 32 فُصِّلت)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s