الإنسانُ والطبيعة.. مَن أفسدَ مَن؟

يُجادلُ “العقلُ العلمي” في مسألةِ “أصلِ الإنسان” فيجزمُ، دون بينةٍ أو برهان، بأنَّ “الطبيعةَ هي أمُّ الإنسان”! ولقد تحدثتُ في منشوراتٍ سابقة عن القصورِ المعرفي الذي يعتوِرُ هذه المقاربةَ التي تفتقرُ إلى ما يجعلُها أهلاً لأن يؤخذَ بها ويُحتكمَ إليها في هذه المسألة. فالإنسانُ، وحتى يكونَ كائناً “طبيعياً” بحق، لابد وألا يظهرَ عليه ما يجعلُ منه يُخالفُ سُننَ الطبيعةِ وقوانينَها. ونحن إن أمعنَّا النظرَ في هذا الذي هو عليه الإنسانُ من صفاتٍ تكفي للتعريفِ به ولتمييزِه عن غيرِه من كائناتِ الطبيعة، فلن يكونَ بالعسيرِ علينا أن نتبيَّنَ أنَّ كثيراً من هذه الصفات لا تَوافقَ هنالك على الإطلاق بينها وبين مرادِ الطبيعةِ وغايتِها! ويتجلى ذلك أيَّما تجلٍّ بمقارنةِ حالِ النباتِ والحيوانِ مع الطبيعة توافقاً وتناغماً وانسجاماً يحولُ دون أن ينزعَ أيٌّ منهما فيكون له مرادٌ وغايةٌ ومبتغى هي غيرُ مرادِ وغايةِ ومبتغى الطبيعة! وهذا هو ما ليس عليه الحالُ مع الإنسان! فما الذي سيعودُ به على الطبيعةِ من نفعٍ هذا الذي يتميزُ به الإنسانُ من نزوعٍ إلى العدوان لا ضابطَ ذاتياً له؟! وكيف تكونُ الطبيعةُ هي مَن أنتجَ الإنسانَ وصنعَ له عقلَه الذي لا يألوا جهداً في الإضرارِ بها إفساداً وتلويثاً وإشاعةً للفوضى والخرابِ في ربوعها؟ وبماذا تنتفعُ الطبيعةُ من كائنٍ كالإنسانِ إرادتُه لا تتماهى مع إرادتِها، وذلك كما يتجلى في إيلائِه “الجنس” كلَّ همِّه انشغالاً به على مدار الساعة؟! ألا يدلُّ كلُّ هذا على أنَّ الإنسانَ كائنٌ مبذِّرٌ مسرفٌ يهدرُ ويُبدِّدُ ما عنده فيما لا يعودُ عليه إلا بالضرر عاجلاً أم آجلاً؟!
إنَّ الطبيعةَ لا يمكنُ أن تكونَ مسؤولةً عن هذا الذي يتميزُ به الإنسانُ من قدرةٍ فذةٍ على “الإفسادِ في الأرضِ وسفكِ الدماء” دونما طائل! فالمتأمِّلُ في حالِ الطبيعةِ لا يملكُ غيرَ أن يخلُصَ إلى أنَّها منظومةٌ لا مكانَ فيها للإسرافِ والتبذيرِ والهدرِ، ولا مجالَ هنالك لأيٍّ من كائناتِها كيما يمارسُ ما لا يتوافقُ مع إرادتِها. فمتى يفيقُ “العقلُ العلمي” من غفوتِهِ ليُدرِكَ أنَّه مُطالَبٌ بأن يبحثَ عن “أصلِ الإنسانِ” بعيداً عن مسرحِ الطبيعة التي لو كان الإنسانُ هو حقاً إبنها البار، كما هو الحال مع نباتِها وحيوانِها، لما شذَّ عنها هذا الشذوذَ كلَّه؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s