في معنى قوله تعالى قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ”

يظنُّ الإنسانُ أنَّ عقلَه يؤهِّلُه لأن يُصدرَ أحكاماً على هذا أو ذاك من الأمور، حتى وإن كان القرآنُ العظيم قد سبقَه إلى إصدارِ حكمِ اللهِ عليها! وإلا فكيف نُعلِّلُ لهذا الذي يجعلُ من كثيرٍ منا يُصِرُّ على التمسُّكِ بـ “حكمِ العقل” وإن تبيَّنَ له أنَّ هذا الحكمَ يتناقضُ ويتعارضُ مع “حكمِ الله” الذي أنبأنا به قرآنُ الله العظيم؟! فـ “حكمُ العقلِ” يستندُ إلى منطقٍ هو غيرُ ذاك الذي يستندُ إليه “حكمُ الله”. فـ “حكمُ الله” قائمٌ على أساسٍ من “منطقِ الله”، و”منطقُ الله” ليس له أن يتماهى بالضرورة مع “منطقِ العقل” كما يظنُّ أولئك الذين لا يريدون أن يُصدِّقوا أنَّ “حكمَ الله” قد يتعارض مع “حكم العقل”!
فإذا كان اللهُ تعالى قد أنبأنا في قرآنِه العظيم بأنَّ سيدَنا موسى قد اعترضَ على سيدِنا الخضر، وصدرَ عنه ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِنا ما جاءتنا به سورةُ الكهف من أنباءِ لقائهما، فبأيِّ منطقٍ إذاً يسوِّغُ البعضُ منا لاعتراضِ سيدِنا موسى على سيدِنا الخضر، إن لم يكن هذا المنطقُ هو “منطقُ العقل” الذي يريدُنا أولئك الذين تمذهبوا به أن نُحكِّمَه في “منطقِ الله”؟! ولماذا يتعذَّرُ علينا أن نستسيغَ صدورَ هكذا اعتراضاتٍ على سيدِنا الخضر من قبل سيدِنا موسى؟! ولماذا نظنُّ أنَّ سيدَنا موسى لا يمكنُ أن يصدرَ عنه هكذا اعتراضات طالما كان اللهُ تعالى قد اصطفاه فجعله نبياً من المُرسَلين؟! أليس في هذا ما يبرهنُ على أنَّنا نؤثِرُ أن نحتكمَ إلى “منطقِ العقل” عِوَضَ الاحتكامِ إلى “منطقِ الله”؟! أوَ لا يدلُّ هذا الاحتكامِ منا إلى “منطقِ العقل” على أننا ما قدَرنا القرآنَ العظيم حقَّ قدرِه وما تدبَّرناه كما أمرنا الله؟!
فلو أننا كنا قد تدبَّرنا القرآنَ العظيم، أفلم يكن ليتبيَّنَ لنا عندها أنَّ ما صدرَ عن سيدِنا موسى من اعتراضٍ على سيدِنا الخضر لم يكن بالمستغربِ منه عليه السلام، وهو الذي سبقَ له وأن فعلَ ما اقتضى منه أن يتوجَّهَ إلى اللهِ تعالى بدعائه الذي حفظته لنا سورةُ القصص في آيتِها الكريمة 16 (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). ولقد أتبَعَ سيدُنا موسى دعاءَه هذا بدعاءٍ آخر شدَّدَ فيه على تنصُّلِهِ مما فعلَ، وعلى أنَّه قد عقدَ العزمَ على ألا يعودَ إلى مثلِه أبداً، فدعا اللهَ بما حفظته لنا سورةُ القصص في آيتِها الكريمة 17 (رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ).
فلو أنَّنا تدبَّرنا قصصَ سيدِنا موسى كما أنبأنا بها قرآنُ اللهِ العظيم، لتبيَّن لنا أنَّه عليه السلام كان يسارعُ إلى التوبةِ وطلبِ المغفرةِ من اللهِ تعالى كلما بدرَ منه ما يقتضي ذلك: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (150- 151 الأعراف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s