“بعضُ بَني آدم لبعضٍ عدو”… الحربُ الأهليةُ الأمريكية مثالاً!

يبرهنُ “العقلُ العلمي” على قصورِه وعجزِه بهذا الذي هو عليه من “تخبُّطٍ معرفي” حالَ دون أن يتمكَّنَ من أن يُعلِّلَ لِما جُبِلَ عليه الإنسانُ من “عدوانيةٍ مفرطة”. فإذا كان الإنسانُ هو حقاً، وكما يزعمُ العقلُ العلمي، قد تطور عن “ماضٍ حيواني” فحسب، فلماذا تخفقُ هذه “المقاربةُ الحيوانية” عن التعليلِ لعدوانيته المفرطة هذه”؟! فعدوانيةُ الإنسان “غيرُ الطبيعية” هذه لا مكانَ لها في عالَمِ الطبيعة الذي يشهدُ كلُّ ناظرٍ إليه بعقلٍ متحرِّرٍ من الأفكارِ المسبقة بما هو عليه من تناغمٍ بين كائناتِه وانضباطٍ بقوانينِه. فلماذا شذَّ الإنسانُ عن عالَم الطبيعة إذا كان هو حقاً واحداً من نتاجاتِها كما يزعمُ العقلُ العلمي؟!
وإذا كان العقلُ العلمي عاجزاً عن التعليلِ لعدوانيةِ الإنسانِ المفرطة، فإنَّ القرآنَ العظيم قد كشفَ لنا النقابَ عن العلةِ من وراءِ هذه العدوانية، وذلك بإرجاعِه أصلَها إلى ما حدثَ للإنسانِ إثرَ أكلِ أبوَيه من شجرةِ الجنةِ التي كان اللهُ تعالى قد نهاهما عنها: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (36 البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (24 الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) (من 123 طه).
ويشهدُ ماضي الإنسانِ وحاضرُه بصدقِ ما جاءنا به القرآنُ العظيم من كشفٍ وتِبيانٍ لعلةِ العدوان عند الإنسان. فيكفينا أن نستذكرَ الحقيقةَ التي لن يكونَ بالعسيرِ على كلِّ مَن يتدبَّرُ كتبَ التاريخ أن يخلُصَ إليها، وهي أنَّ تاريخَ الإنسانِ مسطورٌ بدمِهِ حروباً ومعاركَ وغزواتٍ وفتوحاتٍ مزعومة!
وسوف أكتفي في هذا المقال بأن أوردَ مقارنةً بين عددِ مَن سقطَ من الضحايا في الحرب الأهلية الأمريكية التي شهدها الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، وبين عددِ ضحايا “حرب فيتنام”، من القوات الأمريكية بمختلف صنوفِها. فأكثرُنا يجهلَ أنَّ عددَ مَن سقطَ من القوات الأمريكية (الاتحادية والانفصالية) يربو على عشرةِ أضعاف مَن سقط من هذه القوات في حربِ فيتنام! بل أنَّ بعضَ المؤرخين يذهب إلى أنَّ مجموعَ خسائرِ القواتِ الأمريكية على مر التاريخ يبقى أقل من خسائرها في الحرب الأهلية الأمريكية! وهنا لابد لي من أن أُذكِّر القارئ بأنَّ السلاحَ الأمريكي المستخدم في حرب فيتنام لو كان قد استُخدم في الحرب الأهلية الأمريكية، لكان عدد مَن سقط في هذه الحرب ليتجاوز عشرات الملايين من القوات الأمريكية!
فهل بعدَ هذا من دليلٍ على صدقِ قرآنِ اللهِ العظيم الذي لن يكونَ بمقدورِنا أن نستعينَ بغيرِه كتاباً يُبيِّنُ لنا العلةَ من وراءِ هذا الذي جُبِلَ عليه الإنسانُ من شغفٍ بالعدوانِ؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s