في معنى الآية الكريمة “إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ”

في منشورٍ سابقٍ لي عنوانه “كيف يُعينُك التديُّن الحق بدينِ اللهِ الحق على أن تؤدِّبَ عقلك؟.. قصة موسى والخضر مثالاً”، تحدثتُ عما بوسعِ التديُّنِ الحق بدينِ اللهِ الحق أن يعودَ به على المرء من قدرةٍ على أن يؤدِّبَ عقلَه التأديبَ الذي سيجعلُه يسيرُ على خُطى عبادِ اللهِ الصالحين الذين امتدحهم اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم فسمَّاهم “عبادَ الرحمن”. فالمرءُ عاجزٌ وحدَه عن أن يؤدِّبَ عقلَه، ولذلك فهو يحتاجُ لا محالةَ إلى ما يُعينُه على هذا التأديب، وذلك بأن يتديَّنَ التديُّنَ الحق بدينِ اللهِ الحق فلا يعودَ بعدها أسيرَ ما يقضي به عقلُه ويحكم مما يتعارضُ ويتناقضُ مع ما يُريدُ اللهُ أن يكونَ عليه حالُه تأدُّباً معه.
والقرآنُ العظيمُ يشتملُ على كلِّ ما من شأنِه أن يُعينَ المرءَ على التأدُّبِ مع اللهِ تعالى، ومن ذلك ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِنا ما جاءتنا به سورةُ يوسف من تبيانٍ لهذا الذي يتوجَّبُ على المرء أن يستعينَ به في تأديبِهِ عقلَه. لنتدبَّر ما حفظته لنا هذه السورةُ الشريفة من قصَصِ سيدِنا يعقوب وما حدثَ له جراءَ إبعادِ سيدِنا يوسف عنه. ألم يبلغ به عليه السلام الحزنُ الشديدُ على إبنِه يوسف ما جعلَه يقول (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ)؟
تُقدِّمُ لنا كلماتُ سيدِنا يعقوب المتفجرةُ حزناً وألماً هذه ما هو كفيلٌ بأن يُعينَنا على تبيُّنِ ما ينبغي أن يكونَ عليه حالُ العبدِ مع اللهِ تعالى تأدباً معه يحولُ دون أن يشكوَ بثَّه وحزنَه إلى أحدٍ آخرَ غيره. فمما يقتضيه جميلُ التأدُّبِ مع اللهِ تعالى أن يوقِنَ العبدُ بألا أحدَ بمقدورِه أن يُفرِّجَ عنه كربَه وحزنَه إلا الله، وأنَّ ذلك يقتضي منه وجوبَ ألا يشكوَ ما هو فيه من كربٍ وحزنٍ إلى أحدٍ من الناس طالما كان في ذلك ما يتعارضُ مع ما يُمليهِ عليه توحيدُ اللهِ والإخلاصُ له. فقَصرُ الشكوى إلى اللهِ هو برهانُ صدقِ العبدِ مع الله. ولذلك فلقد كان حقيقاً على اللهِ أن يُكرِمَ عبدَه الذي أخلصَ له شكواه، ولم يشكُ بثَّه وحُزنَه إلى أحدٍ سواه، فيأتِيَه بما يُفرِّجُ عنه بلواه. وهذا هو عينُ ما حدثَ لسيدِنا يعقوب الذي عادَ عليه تأدُّبُه مع الله بما جعلَ منه يفرحُ إذ جاءه فرجُ الله بما أزالَ عنه كربَه وحزنَه وبلواه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s