كيف يُعينُك التديُّنُ الحق بدينِ اللهِ الحق على أن تؤدِّبَ عقلَك؟.. قصةُ موسى والخضر مثالاً

جُبِلَ الإنسانُ على حبِّ الجدال. ولقد قالَ القرآنُ العظيمُ في ذلك: (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (من 54 الكهف). فالإنسانُ لا يملكُ إلا أن يُعمِلَ عقلَه في كلِّ ما يعرضُ له من أمورِ دُنياه حتى ما كان منها غيرَ ذي صلةٍ به معيشةً ومعتقداً! وعقلُ الإنسانِ يفتقرُ إلى كلِّ ما يجعلُه منضبطاً بضوابطِ التعامُلِ المعرفي الصائبِ مع ما يعرضُ له من وقائعِ وظواهرِ وأحداثِ دنياه التي ما خُلِق مؤهلاً حتى يكونَ بمقدورِه أن يُجيبَ على كلِّ ما يضطرُّهُ تدبُّرُه في أمورِها إلى صياغتِه من أسئلةٍ وتساؤلات! ولذلك فلقد كان حقيقاً على عقلِ الإنسانِ أن يكونَ مفتقراً إلى “التأدُّبِ” مع اللهِ الذي هو وحدَه مَن ينبغي على الإنسان أن يُسلِمَ له أمرَه، وأن يُسلِّمَ بالتالي بألا حُكمَ إلا حكمَه. ولذلك أيضاً كان حقيقاً على اللهِ تعالى أن يتعهَّدَ الإنسانَ بـ “التأديب” حتى يُصبح بمقدوره أن ينجوَ من تبِعاتِ وتداعياتِ افتقارِهِ إلى “التأدُّبِ” معه، فكان أن بعثَ اللهُ أنبياءه المُرسلين بدينِه الحق رحمةً منه بالإنسانِ، هذا إن هو اهتدى بهَدي ماجاءه به.
واهتداءُ الإنسانِ بدينِ اللهِ الحق هو بأن يتديَّنَ به التديُّنَ الحق. فالتديُّنُ الحق بدينِ الله الحق يكفلُ للإنسانِ أن يتعلَّمَ التأدُّبَ مع الله فلا يعودُ بمقدورِه بعدها أن يدَعَ عقلَه يصولُ ويجولُ كما يحلو له وكيفما اتَّفق! فالتديُّنُ الحق بدينِ اللهِ الحق يوجبُ على الإنسانِ أن يُلزِمَ نفسَه بـ “حدودِ اللهِ” فلا يتعداها. وكلُّ محاولةٍ من جانبِ الإنسانِ لأن يتأدَّبَ مع اللهِ دون أن يتديَّنَ التديُّنَ الحق بدينِ اللهِ الحق محكومٌ عليها بالفشلِ الذريعِ والإخفاقِ التام! ويكفينا في هذا المقام أن نستذكرَ ما قالَه رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا الشأن: “أدَّبني ربي فأحسن تأديبي”.
فالتديُّن الحق بدين الله الحق يقتضي من الإنسانِ أن يضطرَّ عقلَه إلى الإذعانِ لما جاءه به هذا الدينُ من محدِّداتٍ وضوابطَ يكفينا أن نستذكر ما جاءتنا بشأنِها سورةُ الإسراء في الآية الكريمة 36 منها (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا). وهذا الإذعانُ يقتضي من المرءِ أن يستذكرَ على الدوامِ ما أوجزَه رسولُ الله بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: “من حُسنِ إسلامِ المرء تركُه ما لا يعنيه”. فمَن يسعى لأن يتديَّن التديُّنَ الحق بدين الله الحق لا ينبغي له أن يغيبَ عن بالِه ما حذَّرنا منه قرآنُ الله العظيم من إنصاتٍ لصوتِ العقل المُتسائلِ المُجادل عِوَضَ الإصغاءِ إلى ما يأمرُنا به هذا القرآن (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ) (101- 102 المائدة).
ولقد جاءتنا سورةُ الكهف ببعضٍ من نبأ ما حدثَ لسيدِنا موسى إثرَ لقائِه بسيدِنا الخضر، وهو لقاءٌ يتوجَّبُ على كلِّ مَن يرومُ أن يتبيَّنَ التديُّنَ الحق بدينِ الله الحق ألا يغفلَ عن تدبُّرِ ما اشتملَ عليه من تذكيرٍ بما ينبغي أن يكونَ عليه التأدُّبُ مع اللهِ تعالى. فسيدُنا موسى يرسمُ لنا صورةً حيةً لهذا الذي هو عليه عقلُ الإنسانِ من مسارعةٍ إلى الحكمِ على الأمور من قبلِ أن يتبيَّنَ له ما غابَ عنه منها! فكلُّ ما تُحدِّثُنا به سورةُ الكهف من نبأ هذا اللقاء يدلُّ على أنَّ سيدَنا موسى قد جانبَ الصوابَ في اعتراضِه على ما قام به سيدُنا الخضر من أفعالٍ بدَت لسيدِنا موسى مخالفةً لشرعِ اللهِ ولمنطقِ العقلِ ولما تقضي به وقائعُ الأمور! ولقد تبيَّنَ لسيدِنا موسى، وذلك بعد أن بيَّنَ له سيدُنا الخضر تفاصيلَ ما كان قد غابَ عنه إدراكُه، أنَّ اعتراضه على سيدِنا الخضر إنما هو في حقيقتِه اعتراضٌ على اللهِ تعالى! فسيدُنا الخضر كشفَ له النقابَ عن حقيقةٍ مفادها (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) (من 82 الكهف). فسيدنا الخضر إنما كان يمتثلُ لأمرِ اللهِ، وذلك عندما أقدمَ على فعلِ ما فعلَ من الأمور التي سارعَ سيدُنا موسى إلى الحكمِ عليها دون تبيُّنٍ، وعلى عجل.
خلاصةُ القولِ: لا مناصَ لمن يريدُ أن يتديَّنَ التديُّنَ الحق بدينِ الله الحق من أن يستعينَ بما جاءه به هذا الدينُ من سبلِ تأدُّبٍ مع اللهِ تعالى، وذلك حتى يتكلَّل بالنجاحِ جهدُه ومسعاه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s