في معنى قوله تعالى “أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ”

أنزلَ اللهُ تعالى قرآنَه العظيم بلسانٍ عربيٍ مبين، مُحكَمَ النَّظمِ مُفصَّلَه، مُيسَّرَ الذكرِ لمن جاءَه بعقلٍ سليمٍ ليتدبَّرَه. ولذلك فالأمرُ ليس لما نظنُّ ونتوهَّمُ حتى نسارعَ في تأويلِ آياتِ القرآن مُتعجِّلين غيرَ مُتريِّثين! فتدبُّرُ القرآنِ العظيم يقتضي منا وجوبَ أن نتبيَّنَ “الفوارقَ” بين آياتِه الكريمة ذاتِ الصلة؛ هذه الفوارقُ التي إن نحن لم نجتهد فنسعى مستقصين مواطنَها، غابَ عنا بالتالي المعنى لينتهيَ بنا الأمرُ بعدها إلى القولِ بما يتعارضُ مع ما تنصُّ عليه هذه الآيةُ الكريمةُ، أو تلك، تعارضاً سيجعلُنا نبتعدُ شيئاً فشيئاً عن فقهِ مرادِها.
وفي هذا المنشور سوف أوردُ مثالاً يُبيِّنُ جسامةَ وفداحةَ ما جرَّه علينا تعجُّلُنا في تدبِّرِ القرآنِ العظيم، وحسبانُنا هيناً ذاك الذي هو عند اللهِ عظيم! فلقد شاعَ فينا وراجَ أنَّ ما جاءتنا به سورةُ البقرة في آيتِها الكريمة 186 “أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ”، هو عينُ ما جاءتنا به سورةُ غافر في آيتِها الكريمة 60 “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ”. ولو أنَّنا تدبَّرنا “الفوارقَ” بين هاتين الآيتين الكريمتين لتبيَّنَ لنا أنَّ الكلمةَ القرآنيةَ الكريمة “الداع” في الآية الكريمة 186 البقرة أعلاه لا تعني “الذي يدعو الله تعالى سائلاً إياه أن يُجيبَه فيُعطيَه مراده”، كما شاعَ فينا وراج! فكلمة “الداعِ” تعني هنا “الذي ينادي اللهَ كما ينادي المنادي أحداً يريدُه أن يسمعَ له ويجيبَ نداءه”.
وتتبيَّنُ لنا هذه “الفوارق” واضحةً جلية إذا ما نحن تدبَّرنا كافة المواطن القرآنية الكريمة التي وردت فيها كلمة “الداعي” وكلمة “داعي”: (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) (108 طه)، (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (45- 46 الأحزاب)، (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ. وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِين) (31- 32 الأحقاف)، (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُر. خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) (6- 8 القمر).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s