في معنى قوله تعالى “أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ”

يُخطِئُ مَن يظنُّ أنَّ الإنسانَ بمقدورِه أن يهتدِيَ وحدَه إلى اللهَ! فهذا ظنُّ مَن عظَّمَ من شأنِ العقلِ البشري فلم يقدِره قدرَه ولم يُعطِه حقَّه ومُستحقَّه. فلو كان عقلُ الإنسانِ قادراً حقاً على أن يهتديَ وحدَه إلى الله لما تغمَّدَ اللهُ الإنسانَ برحمتِه فأرسلَ رسُلَه بالكتابِ المنير ليهتديَ به كلُّ مَن كان ذا قلبٍ أو ألقى السمعَ وهو شهيد! ولذلك أنزلَ اللهُ قرآنَه العظيم “هدىً للناسِ” (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (من 185 البقرة).
فاللهُ لم يخلق الإنسانَ مؤهلاً ليهتدِيَ إلى ما ينبغي عليه أن يقومَ به من عباداتٍ يُحقِّقُ بها مرادَ اللهِ من خلقِه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات). وكلُّ مَن يريدُ أن يكتفِيَ بالعقلِ دليلاً إلى الله، إنما يريدُنا أن نهتدِيَ بهذا العقل الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَ ما سيُفضي بنا إليه إصرارُنا على أن نهتدِيَ به من دون الله تدبُّرُنا الآيات الكريمة التالية: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ) (3- 4 الحج)، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(8)ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ) (8- 9 الحج)، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ(20)وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِير) (من 20- 21 لقمان).
وفي المقابل، فلقد امتدحَ القرآنُ العظيم طائفةً من بني آدم اهتدَوا بهَدي الله، فهُم “على هُدىً من ربِّهم” (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ). وهدى الله، الذي اهتدى به الذين هم على “هدى من ربِّهم”، هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنه بتدبُّرِنا ما جاءتنا به أوائلُ سورة البقرة: (الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1- 5 البقرة). فالقرآنُ العظيم هو “هدىً للمتقين” الذين هم “على هدىً من ربهم” بهذا القرآن العظيم.
ويؤكدُ هذا المعنى ما جاءتنا به أوائلُ سورةِ لقمان: (الم(1)تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ(2)هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ(3)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (1- 5 لقمان).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s