حول “الاستقراء القرآني”… “الحكمُ بما أنزلَ اللهُ” مثالاً

يقعُ الذين يُنكرون على مَن يعتمدُ “الاستقراءَ القرآني” منهجَه في التعاملِ مع كثيرٍ مما جاءنا به قرآنُ اللهِ العظيم في تناقضٍ صارخ! إذ أنهم يُجوِّزون لأنفسِهم أن يخلصوا إلى أحكامٍ لم يرِد لها ذكرٌ في القرآنِ العظيم، بينما يُجاهرون في القولِ بأنَّهم لا يؤمنون إلا بما نصَّ عليه صراحةً هذا القرآنُ!
فهل وردَ في القرآنِ العظيم، على سبيل المثال، ما يُشيرُ من قريبٍ أو بعيد إلى أنَّ الأمةَ التي شرَّفها اللهُ تعالى بقرآنِه العظيم مُلزمةٌ وجوباً بأن تحكمَ بما أنزلَ الله حتى نقولَ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون) (من 44 المائدة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (من 45 المائدة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (من 47 المائدة)؟ فاللهُ خاطبَ في قرآنِه العظيم الأمةَ التي شرَّفَها بالتوراة بقولِه تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (44 -45 المائدة).
وخاطبَ اللهُ من بعدِ ذلك الأمةَ التي شرَّفها بالإنجيل بقوله تعالى (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (47 المائدة).
والآن لنتدبَّر الآية الكريمة 48 من سورة المائدة (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ الأمةَ التي شرَّفها اللهُ تعالى بالقرآنِ العظيم مُلزمةٌ وجوباً بأن تحكمَ بما أنزلَ اللهُ، وذلك وفقاً لما جاءَ في الآية الكريمة 48 من سورة المائدة (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ). فلماذا ننسى ما جاءتنا به سورةُ المائدة في آيتِها الكريمة 48، ونعتمد النصَّينِ اللذين خاطبَ اللهُ تعالى بهما مَن سبقنا من أهل الكتاب في الآيات الكريمة 44 و45 و47 المائدة أعلاه، إن لم يكن في هذا لجوءٌ من جانبنا إلى “الاستقراء القرآني” الذي بإمكانِنا بمقتضاهُ أن نعتمدَ هذين النصَّين القرآنيَين للتدليل على هذا الوجوب؟!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s