حول “الاستقراء القرآني”.. “أهلُ القرآنِ” مثالاً

تُخفِقُ جميعُ محاولاتِنا للتعاملِ مع النَّصِ القرآني المقدَّس بمنطقٍ هو غيرُ منطقِ هذا القرآن. فمنطقُ القرآنِ العظيم لا يتطابقُ بالضرورة مع منطقِ العقلِ البشري الذي يُصِرُّ على أن يفرضَ على هذا القرآن نظامَه وأحكامَه وقواعدَه التي ما جاء هذا القرآنُ ليتطابقَ معها تمام التطابق. فمَن نحن حتى نفرضَ على القرآنِ العظيم أحكامَ منطقِنا البشري الذي لم يزوِّدنا اللهُ تعالى به إلا لنُحسنَ التعاملَ مع ما بين أيدينا من ظاهرِ هذه الحياةِ الدنيا فحسب. وهذه هي العلةُ من وراءِ استعصاءِ كلِّ ما هو ذو صلةٍ بـ “عالَمِ الغيب” على الإنسانِ الذي مهما حاول أن يسبرَ أغوارَه فلن يستطيعَ إلى ذلك سبيلاً!
ولذلك فإنَّ الإخفاقَ سيكونُ مصيرَ كلِّ محاولةٍ للتعاملِ مع القرآنِ العظيم لا تتقيَّدُ بمُحدِّداتِ منطقِه الإلهي القويم؛ هذا المنطقُ الذي إن نحن حدنا عنه نأى بنا منطقُنا البشري بعيداً عن مُرادِ هذا القرآن! فإن نحنُ قلنا بأنَّ أفرادَ الأمةِ التي شرَّفها اللهُ تعالى بالقرآنِ العظيم هم ليسوا “أهلَ القرآن”، وذلك بحجةٍ مفادُها أنَّ هذا المصطلح لم يرِد له ذكرٌ في القرآنِ العظيم، فإننا نكونُ بذلك قد حكَّمنا في هذا القرآنِ منطقَنا وفرضنا عليه قواعدَ هذا المنطق وأحكامَه! ألم يُشِر القرآنُ العظيم إلى مَن شرَّفهم اللهُ تعالى بالإنجيل على أنهم “أهل الإنجيل” (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ) (من 47 المائدة)؟
يتبيَّنُ لنا إذاً أنَّ التنطُّعَ في “التعاملِ المنطقي” مع القرآن العظيم لن ينجم عنه إلا ما سيجعلُنا نشذُّ عن صراطِه القويم! كيف لا ونحن مضطرُّون والحالُ هذه إلى الجزمِ بأن ليس لنا أن نقولَ في الأمة التي شرَّفَها اللهُ تعالى بقرآنِه العظيم إنها “أمةُ القرآن”، ولا أن نقولَ في أفرادِ هذه الأمة إنهم “أهلُ القرآن”!
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، ألاّ ضيرَ هنالك على الإطلاق من أن نعملَ على صياغةِ مصطلحاتٍ “جديدة”، إن هي لم يرد لها ذكرٌ في القرآنِ العظيم، فإنَّ بوسعِنا أن نكونَ واثقين من أنَّها تتطابقُ تمامَ التطابقِ مع روحِ نَصِّه الإلهي القويم. وهذا هو “الاستقراءُ القرآني” الذي اهتدى به مَن سبقنا فقيَّضَ لهم اللهُ تعالى به أن يصلوا إلى خيرٍ كثير. وخيرُ هذا الاستقراءِ كثيرٌ، وهو بانتظارِ كلِّ مَن يُغلِّبُ إطاعتَه لما جاءه به هذا القرآن على ما تُزيِّنُه له النفس ويُعينُها على ذلك الهوى!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s