شجرةُ موسى ونخلةُ إبنِ مريمَ عيسى وسِدرةُ المصطفى سلامُ اللهِ عليهم جميعاً وعلى عبادِه الذين اصطفى

يُصِرُّ عقلُ الإنسانِ على التشبُّثِ بما يظنُّ ويتوهَّمُ أنها “الحدودُ القصوى” للمعرفة البشرية تشبُّثاً لم يعُد على الإنسانِ إلا بكلِّ ما جعلَ منه يؤثِرُ الركونَ إلى السائدِ والرائجِ والشائع عوضَ التطلُّعِ إلى ما هو كفيلٌ بجعلِهِ يتحرر من قيودِ وأغلالِ الظنونِ والأوهام! ومن ذلك هذا الإصرارُ من جانبِنا على أن “لا جديدَ تحت الشمس”، وأنَّ قادمَ الأيامِ لن يأتيَ أبداً بما قد يضطرُّنا إلى “التساؤلِ” عن جدوى الارتكازِ على “ما سبقَ”، وذلك بحجةِ ألا أحدَ بمقدورِه أن يأتيَ بأحسنِ مما جاءَ به الأوَّلون! وهذه حقيقةٌ لم يُفلِت من مُحكَمِ قبضتِها إلا القليلُ من بني آدم، ويستوي في ذلك السوادُ الأعظمُ من علماءِ الدين والغالبيةُ العظمى من علماءِ الدنيا!
وسوف أقتصرُ في هذا المنشور على التعرُّضِ إلى ما عادَ به علينا إصرارُ هذا السوادِ الإعظمِ من رجال الدين على الإعراضِ عن استذكارِ وتدبُّرِ ما قالَه سيدُنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بحقِّ قرآنِ اللهِ العظيم من أنه “كتابٌ لا تنقضي عجائبُه”. فعجائبُ القرآنِ العظيم، كما بشَّرَنا بذلك رسولُ اللهِ الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم، لا تنقضي إلى قيامِ الساعة. ونُخطئُ إذ نظنُّ أنَّ الأولين قد حازوا قصبَ السبقِ في ذلك فكان لهم أن وضعوا أيديهم على كلِّ ما في القرآنِ العظيمِ من عجائب! فهذا الظنُّ من جانبِنا يلزمُ عنه بالضرورة القولُ بأنَّ عجائبَ القرآنِ لها حدٌّ تنتهي عنده! وفي هذا ما فيه من اجتراءٍ وتجاسرٍ على حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم (والعياذُ بالله).
وسوف أوردُ في هذا المنشور مثالاً مصدِّقاً لما قاله صادقُ الوعدِ الأمين صلى الله تعالى عليه وسلم من قبلُ وهو يصفُ هذا القرآن. أفليسَ من العجيب أن يكونَ “للشجرةِ” في حياةِ سيدِنا موسى وسيدِنا عيسى وسيدِنا محمد سلامُ اللهِ عليهم جميعاً “ظهورٌ قدَري” لم يكن لنا أن نعلمَ عنه شيئاً لولا ما وردَ في القرآنُ العظيم بشأنِه؟
فسيدُنا موسى عليه السلام كان قد ألجأه الجوعُ إلى جذعِ شجرةٍ استظلَّ بها ودعا اللهَ تعالى (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (من 24 القصص). فاستجابَ اللهُ تعالى له استجابةً تجلَّت عليه، وبما جعلَ منه يشرعُ في رحلةٍ إلى اللهِ انتهت به ليُصبحَ “كليمَ الله”، وذلك من بعدِ أن قادَته إلى الوادي المقدسِ “طوى” نارٌ عندما أتاها هالَه ما رأى من أمرِها، إذ رآها وفي قلبِها شجرةٌ لا تكادُ هذه النارُ تُحرِقها!
وسيدُنا عيسى عليه السلام كان المخاضُ قد ألجأَ والدتَه إلى جذعِ نخلةٍ كان لها ما كان من دورٍ في تثبيتِها عليها السلام والربطِ على قلبِها (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) (25- من 26 مريم).
وسيدناُ محمد صلى الله تعالى عليه وسلم رأى في رحلةِ معراجِه الشريف إلى اللهِ تعالى شجرةً في جنةِ المأوى سماها القرآنُ العظيم “سِدرة المنتهى” (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى) (13- 15 النجم).
وسوف أتطرقُ إن شاء الله في المنشورِ اللاحق إلى بعضٍ من معاني هذا “الظهور القدَري” للشجرة في حياةِ سيدِنا موسى وسيدِنا عيسى وسيدِنا محمد سلامُ اللهِ عليهم جميعاً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s