هل للشريعةِ باطنٌ؟

ما أصعبَ الالتزامُ بشرعِ اللهِ تعالى طالما كان يطالبُ الإنسانَ بألا يُصغي لنفسِه وأن يُنصِتَ عِوضَ ذلك لما يأمرُ به اللهُ حتى وإن كان في ذلك ما يضطرُّه إلى أن يخرجَ على نفسِه هذه الخروجَ الذي لا يقوى عليه إلا أصحابُ العزائمِ وأهلُ الهِمَم! ولذلك كان التديُّنُ بدِين اللهِ القويم أمراً ليس باليسيرِ على الإطلاق. ولذلك أيضاً كان من المنطقي أن يتفنَّنَ الإنسانُ في إيرادِ كلِّ ما يظنُّ أنَّ بمقدورِه أن يتذرَّعَ به من “الحُجَجِ العقلية” ليُبرِّرَ بها هذا النكوصَ منه عن القيامِ بما يقتضيه هذا الالتزامُ بشرعِ اللهِ إطاعةً لأوامرِ الله وتقيُّداً بحدودِه وتعظيماً لحُرُماتِهِ وشعائرِهِ.
وإلا فكيف لنا أن نُعلِّلَ لهذا الجنوحِ من جانبِ أولئك الذين يقولون بأنَّ لشرعِ اللهِ “باطناً” كما أنَّ له ظاهراً؟! فهؤلاء الخارجون على شرعِ الله، والمُتعدُّون لحدودِ الله، لا يتورَّعونَ عن الإقدامِ على فعلِ كلِّ ما من شأنِهِ أن يُخلِّدَ فاعلَه في النارِ أبدَ الآبدين، طالما كان لديهم ما يظنونَ أنَّه “حجةٌ شرعية” تُبيحُ لهم أن يفعلوا ما يشاؤون!
ولقد فات هؤلاء أنَّ القرآنَ العظيم لم يرِد فيهِ ما يُشيرُ من قريبٍ أو بعيد إلى أنَّ لشرعِ اللهِ تعالى باطناً. فشرعُ اللهِ ظاهرٌ محضٌ خالصٌ مُطلق. وكلُّ من يقولُ خلافَ ذلك هو إما جاهلٌ بقرآنِ اللهِ تعالى، أو مُتَّبعٌ لخطواتِ الشيطان الذي هو مَن زيَّنَ له هذا التجرُّؤَ والتجاسُرَ على حدودِ الله. ولذلك نهى اللهُ تعالى الذين آمنوا عن أن يتَّبعوا خطواتِ الشيطان: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر) (من 21 النور)، (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (من 168 البقرة).
وهكذا فإنَّ كلَّ مَن يقولُ بأنَّه غيرُ مُلزَمٍ بالتقيُّدِ بشرعِ الله، لهذا السببِ أو ذاك من الأسبابِ ذاتِ الصلة بما تأمرُ به النفسُ ويُزيِّنُه الهوى، إنما يتَّبعُ خطواتِ الشيطان الذي لن يقودَه إلا إلى الشقاءِ في هذه الحياةِ الدنيا، والخلود في نارِ جهنم وبئس المصير في الآخرة. فليس هناك مَن بمقدورِه أن يجعلَ العابدَ العاقلَ في حِلٍّ من الصلاةِ والزكاة. ويكفينا في هذا السياق أن نستذكرَ ما وثَّقته لنا سورةُ مريم من أقوالِ سيدِنا المسيح عليه السلام بهذا الشأن: (‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (من 31 مريم).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s