في ما قصدَ إليه السري السقطي بقوله “التصوفُ هو أن تكونَ كما كنتَ قبل أن تكون”

عادةً ما يُتَّهمُ التصوفُ بأنَّهُ لا قيامَ له إلا على أساسٍ من مقولاتٍ لا تتَّفِقُ مع ما ينصُّ عليه القرآنُ العظيم! وهذا اتهامٌ ينبغي ألا نسارعَ إلى الحكمِ القاطعِ عليه، نفياً أو أثباتاً، إلا من بعد أن نتبيَّنَ حقيقةَ ما بين أيدينا من نصوصٍ “صوفية”. فكثيرٌ من هذه النصوص التي يُقالُ لنا إنها “صوفية” لا صلةَ لها على الإطلاق بالتصوفِ ورجالِه الذين ما خالفوا شرعَ اللهِ تعالى يوماً حتى يصدرَ عنهم ما يتعارضُ معه قولاً أو فعلاً. ولذلك فلا ينبغي أن يُحمَّلَ التصوفُ وزرَ أقوالٍ، أو أفعال، صدرت عن أناسٍ لم يُراعوا حدودَ اللهِ التي ما تعدَّاها إلا هالكٌ في الدنيا والأخرة.
وهكذا، ومن بعدِ أن تبيَّنَ لنا أنَّ النَّصَّ الصوفي لا قيامَ له إلا على أساسٍ من موافقةِ الشريعة، فإنَّ التعجُّلَ في إطلاقِ الحكمِ عليه بأنَّه مخالفٌ لما ينصُّ عليه القرآنُ العظيم، إنما ينمُّ عن جهالةٍ بهذا القرآن الذي لو تدبَّرناهُ كما أمرَنا اللهُ لما وجدنا في هذا النَّصِّ الصوفي إلا ما يتَّفقُ معه تمامَ الاتِّفاق، وإلى الحدِّ الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَ أنَّ ما ينطوي عليه النَّصُّ الصوفي هذا من معنى مكنونٍ كامنٍ مُستتِر لهو قادرٌ على أن يُبرهنَ على أنَّ “عجائبَ القرآنِ” هي حقاً، وكما وصفها رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم، لا تنقضي.
يتبيَّنُ لنا إذاً مما تقدَّم أنَّ التعاملَ مع النصِّ الصوفي يقتضي منا بدايةً وجوبَ أن نتدبَّرَ القرآنَ العظيم، وذلك وفقاً لما جاءَ فيه من أوامرَ إلهيةٍ تقضي بألا نُقاربَ آياتِه الكريمة إلا بتدبُّرِها: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (24 محمد)، (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص).
وكمثالٍ على هذا الذي أقولُ به، من وجوبِ ألا يُقرأَ النصُّ الصوفي إلا من بعدِ أن نتدبَّرَ القرآنَ العظيم، أورِدُ ما قاله السَّري السَّقطي في معرضِ تعريفِه للتصوف: “التصوف هو أن تكونَ كما كنتَ قبل أن تكون”. فمَن يقرأ هذا النَّص الصوفي دون تمهُّلٍ تقتضيه القراءةُ المتدبرةُ للقرآنِ العظيم، لابد وأن يخرجَ بنتيجةٍ مفادها أن هذا النص ليس بأكثر من كلماتٍ جوفاء تفتقرُ إلى المعنى! وهذا الذي انتهى إليه مَن عجِلَ بهذا النَّص هو ليس ما سينتهي إليهِ مَن يقرأهُ متدبِّراً القرآنَ العظيم الذي جاء فيه (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) (11 الأعراف)، كما وجاءتنا سورةُ التين فيه بما نصُّه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ).
فاللهُ تعالى خلقَنا في أحسنِ تقويم يومَ خلقَ أبانا آدم في أحسنِ تقويم. وهذا هو ما كنا عليه كلُّنا جميعاً قبل أن نكون. فنحن، ومن بعدِ أن أكلَ أبوانا من شجرةِ الجنةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها، أصبح لزاماً علينا أن نكونَ من الذين آمنوا وعملوا الصالحات حتى لا نقبعَ أبدَ الدهرِ في “أسفلِ سافلين”. فالتصوف يريدُنا إذاً أن نكونَ من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، لنكونَ بذلك كما كنا قبل أن نكون، أي كما كنا يوم كنا في أحسنِ تقويم!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s