عروبةُ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم آيةٌ على إلهيةِ القرآنِ العظيم

بدايةً، لا يجوزُ لنا أن نُحمِّلَ “عروبةَ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم” ما هو ذو صلةٍ بما يقولُ به البعضُ من “خيرية” العرب على سواهم من أُممِ الأرض من بني آدم. فهذا هو زعمُ كلِّ مَن كانت الدنيا جُلَّ همِّه ومبلغَ علمِه تقاتلاً منه مع أهلِها على زينتِها وزُخرُفِها وتفاخراً منه بالأصلِ والأرومةِ كما كان يتفاخرُ الأقدمونَ فيما بينهم عِرقاً وسلالةً تفاخُرَهم جاهاً وثروةً ومنصباً! فاللهُ تعالى قد حكمَ في الأمرِ بقولِهِ الفصل (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (من 13 الحجرات)، وهذا هو عينُ المعنى الذي شدَّدَ عليه رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم بقولِه الشريف: “لا فضلَ لعربيٍّ على أعجمي إلا بالتقوى”.
فلماذا إذاً شدَّدَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم على “عروبةِ عبدِهِ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم” هذا التشديد الذي يتجلَّى لنا جَلياً واضحاً وذلك بتدبُّرِنا ما جاءتنا به سورةُ الأعراف في آيتها الكريمة 158 (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)؟ فـ “النبيُّ الأمي” هو “النبيُّ العربي” الذي بعثه اللهُ تعالى من العرب (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) (من 128 التوبة).
ولماذا شدَّدَ اللهُ تعالى على “عروبة القرآن العظيم” في أحد عشرةَ موطناً منه، ومن ذلك ما جاءتنا به سورةُ فُصِّلت في آيتِها الكريمة 3 (كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)؟ يتكفّلُ بالإجابةِ على هذين السؤالين أن نستذكرَ اللسانَ الذي نزلت به كتبُ أهلِ الكتاب. فهذا اللسانُ كان لساناً أعجمياً غيرَ عربي. وهنا يبرزُ سؤالٌ عن “المصدرِ” الذي استقى منه سيدُنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ما جاءَ في القرآنِ من “حقائقَ” ما كان له أن يُحيطَ بها لولا أنَّ هذا القرآن كان من عند اللهِ تعالى حقاً. فما كان عند أهلِ الكتابِ من “العلم” مُنزَّلٌ من اللهِ تعالى بلسانِهم الأعجمي غيرِ العربي. وهذا العلمُ كان مقصوراً عليهم دون غيرِهم من غيرِ بَني جلدتِهم (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ. بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (48- من 49 العنكبوت)، (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا) (من 91 الأنعام).
فأنى إذاً لرسول اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم أن يعلمَ كلَّ ما جاء في القرآنِ العظيم من “حقائق” اشتملت عليها كتبُ أهلِ الكتابِ، وهو العربيُّ الذي لا يتحدَّثُ بلسانِ أهلِ الكتاب الأعجمي، إن لم يكنِ اللهُ تعالى هو مَن أنزلَ عليه هذه الحقائق في قرآنِه العظيم؟!
يتبيَّن لنا إذاً مما تقدَّم أن “عروبةَ سيدِنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم” آيةٌ على أن القرآنَ العظيم لا يمكنُ على الإطلاق أن يكونَ من عندِ غيرِ الله (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (157 الأعراف).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s