في معنى كلمة “الشَّهَوات” في القرآنِ العظيم

حذَّرَنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من اتِّباعِ الشهوات. وتنطوي الآيةُ الكريمة 59 من سورة مريم على هذا التحذيرِ الإلهي، وذلك في سياقِ تبيانِ اللهِ تعالى لعبادِهِ ذاك الذي انتهى إليه أمرُ “الخَلْف” الذين خلفوا معشرَ الأنبياءِ عليهم السلام إلا قليلاً ممّن رحمَ اللهُ: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا) (59 – 60 مريم).
كما وجاءتنا سورةُ النساء، وفي الآية الكريمة 27 منها تحديداً، بتحذيرٍ إلهي آخر من مغبَّةِ الإصغاءِ إلى أولئك الذي يتَّبعون “الشهواتِ” ويتربَّصون بالذين آمنوا علَّهم يُفلحون في جعلهم يحيدون عن اتِّباعِ صراطِ اللهِ المستقيم فينأونَ عنه ويميلون ميلاً عظيماً (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا).
فما هي هذه “الشهوات” التي اقتضت أن يُحذِّرَ اللهُ عبادَهُ من مغبةِ اتِّباعها؟ يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما جاءتنا به الآية الكريمة 14 من سورة آل عمران (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ). يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ هذه الآية الكريمة أن “الشهوات” هي كلُّ ما تحرصُ النفسُ على جعلِ صاحبِها يستكثر منه ويستزيد تفاخراً وتكاثراً. وهذا هو عينُ ما جاءتنا به سورةُ الحديد في آيتِها الكريمة 20 (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
فالأمرُ إذاً منوطٌ بهذا الذي تحرصُ عليه النفسُ من تزيينٍ لصاحبِها بأن يُقبِلَ على الاستزادةِ من كلِّ ما في الحياةِ الدنيا من متاعٍ يُفاخَرُ به لا لحاجةٍ تلمُّ بالبدَن ولكن لرغبةٍ تحرصُ النفسُ على ألا تفوِّتَ فرصةً دون أن تنتهزَها حتى يتمَّ لها إحكامُ سيطرتِها على صاحبِها أما وقد تغلغلَ حبُّ هذه “الشهوات” في بدنِهِ وسرى في عروقِهِ!
فـ “الشهوةُ” إذاً هي ما تشتهيهِ النفسُ لا البدَن!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s