هل أنَّ كلمتَي “الحرام” و”حرام” في القرآن العظيم هما بذات المعنى؟

من عجيبِ البيان القرآني أن تتمايزَ كلماتٌ قرآنيةٌ كريمة عن بعضِها البعض تمايزاً لا يستقيمُ مع ما درجنا على الأخذِ به على أنَّه ما ينبغي أن يكونَ عليه حالُ هذا البيان تطابقاً بين هذه المفردةِ وتلك، وذلك إذا ما لم يكن بينهما فرقٌ في المبنى يُحتِّمُ على إحدى هاتين الكلمتين أن يتناشزَ معناها مع المعنى الذي تنطوي عليه الكلمةُ الأخرى! فلسانُنا العربي قد أصبح مع مُضي الأيام وتقادُمِ الأعوام تشوبُه بعضُ العجمةِ تَحتَّمَ علينا بمقتضاها أن نُخفِقَ في تبيُّنِ أنَّ “تجانُسَ” كلمتَين قرآنيتَين في المبنى لا يلزمُ عنه بالضرورة أن يكون بينهما تطابق في المعنى!
ومن ذلك ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ مواطنِ ورودِ كلمةِ “الحرام” وكلمة “حرام” في القرآن العظيم. فهاتان الكلمتان، وإن كانتا “متجانستَين” في المبنى، فإنهما مختلفتان بالتمام والكلية في المعنى، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بمواطنِ ورودِهما في القرآن العظيم. فمعنى كلمة “الحرام” في القرآن العظيم لا علاقةَ له من قريبٍ أو بعيد بالمعنى الذي تشتملُ عليه كلمةُ “حرام” فيه (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا) (من 59 يونس)، (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ) (من 116 النحل)، (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) (95 الأنبياء).
فمعنى كلمة “حرام” في هذه الآيات الكريمة الثلاث هو ما تواضعنا عليه من معنى ليس بالعسيرِ أن نتبيَّنَه طالما كان هو ضديدَ المعنى الذي تنطوي عليه كلمةُ “حلال”.
إلا أن هذا الذي انتهينا إليه للتو لا ينبغي أن يجعلَنا نُخطِئُ فنظنُّ أنَّه يُفضي بنا لا محالة إلى القولِ بأن كلمة “الحرام” في القرآنِ العظيم تعني ضديد ما تعنيه كلمة “الحلال” فيه بمعناها الذي تواضعنا واصطلحنا عليه. فكلمة “الحرام” وردت في القرآن العظيم 23 مرة، منها: “المسجد الحرام” 15 مرة، “الشهر الحرام” 5 مرات، “البيت الحرام” مرتين، “المشعر الحرام” مرة واحدة.
ولو أنَّنا تدبَّرنا السياقَ الذي ترِدُ فيه كلمة “الحرام” في كل مرة من هذه المرات الـ 23، لتبيَّنَ لنا أنَّ هذه الكلمة لا علاقةَ لها بما تعنيه كلمة “حرام”. ففي الوقت الذي ترِدُ فيه كلمة “الحرام” في القرآن العظيم بمعنى يُسبِغُ على الموصوف تعظيماً وإجلالاً وتفخيماً، فإننا نجدُ أن كلمة “حرام” تُضفي على الموصوف كلَّ ما هو ذو صلةٍ بما يجعلُ من مُقاربِه ومقترِفِه آثماً خطاءً مذنباً.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s