هل الإنسانُ كائنٌ طبيعي؟

الإنسان، من منظور العقل العلمي، كائنٌ طبيعي لا فرق هناك على الإطلاق بينه وبين كائنات الطبيعة الأخرى نباتيةً كانت أم حيوانية. ويُنافحُ هذا العقلُ عن وجهةِ نظرِه هذه، التي هي ليست أكثرَ من “عقيدةٍ فلسفية”، وذلك على الرغم من عجزِه عن أن يُقدِّمَ برهاناً على أنها حقيقةٌ لا مراءَ فيها! ولقد اضطرَّ العقلَ العلمي إلى هذا الدفاع المستميت عن “طبيعية الإنسان” ما وقرَ لديهِ من أنَّ ما جاءَ به داروين بشأنِ نشوءِ وارتقاءِ الكائناتِ الحية هو حقٌّ لا يجادلُ فيه إلا جاهل! وبذلك فلقد فاتَ العقلَ العلميَّ هذا أن يتبيَّنَ ما يتمايزُ به الإنسانُ عن غيرِه من كائنات الطبيعة، التي وإن كان يُشارِكُها الأصلَ الذي نشأ الكلُّ عنه إلا أنَّه يبقى غريباً عنها بهذا الذي هو عليه من خروجٍ سافرٍ على كثيرٍ من قوانين الطبيعة التي لو أنَّها كانت، كما يظنُّ هذا العقل، “الفاعلَ الوحيدَ” في ظروفِ تخلُّقِ الإنسان، لما كان هنالك أيُّ اختلافٍ بين هذا الإنسان وبين باقي كائناتها!
إنَّ كلَّ مَن ينظرُ إلى الطبيعة وكائناتها من نباتٍ وحيوان لا يمكنُ له أن يرى الإنسانَ كائناً ينتمي إليها انتماءَ هذه الكائنات. وهذه حقيقةٌ إن كان العقلُ العلمي قد آثرَ إغفالَها والتغاضي عنها، فإنها تبقى مؤشراً على أنَّ هذا العقل يفتقرُ إلى ما يجعلُ منه “عقلاً علمياً” حقاً. فالناظرُ إلى الإنسانِ نظرةَ المُدقِّق الحصيف لن يرى فيه ما يؤهِّلُه لأن يكونَ “كائناً طبيعياً” كباقي كائنات الطبيعة. وليس هناك على الإطلاق ما بوسعه أن يُبرِّرَ للعقلِ العلمي هذا الذي يقولُ به من أنَّ الإنسانَ كائنٌ طبيعي. فحتى ولو كان الإنسانُ قد نشأ عن “الطبيعة” فإنَّ هذا لا يلزمُ عنه بالضرورة ألا تكونَ هنالك “مداخلاتٌ” يُصِرُّ العقلُ العلمي على إنكارها بحجةِ أنَّ في القبول بها ما سوف يضطرُّه إلى الإقرارِ بعجزه، وبوجوبِ أن يسمعَ إلى ما يقولُ به الدينُ الإلهي من أنَّ اللهَ هو الذي خلقَ الإنسانَ كما سبقَ له وأن خلقَ الطبيعةَ بنباتِها وحيوانها، وأنه تعالى هو مَن قدَّرَ لهذا الإنسانِ أن يكونَ مخلوقاً “غيرَ طبيعي” لحكمةٍ لا يعلمُها أحدٌ سواه.
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أن “العقلَ العلمي” مضطرٌّ إلى القولِ بأنَّ الإنسانَ “كائنٌ طبيعي”، وذلك طالما كان قولُه بخلاف ذلك سيضطرُّه في النهاية إلى أن يُقِرَّ بأنَّ إصرارَه على القول بألا حاجةَ هناك للقولِ بوجودِ الله لا أساسَ “علمياً” له!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s