هل نحن حقاً أذكى من آبائنا الأولين؟

يريدنا علماء الإنسان أن نصدق أننا أكثر تطوراً ورُقياً من آبائنا الأولين. ولتأييد ما ذهبوا إليه من تفوقٍ للخلَف على السلَف، تراهم يسوقون الكثير من الأدلة والحجج التي ظنوا أنها كفيلةٌ بتأييد هذا الزعم منهم. فما الحضارة التي يتنعم بها إنسان القرن الحادي والعشرين إلا واحدة من بين ما بمقدورهم أن يجيؤوا به تدليلاً على هذا التفوق العقلي المزعوم. وهذا الذي يصرون عليه من أن الإنسان المعاصر متفوق بعقله الجبار على العقل البدائي لأسلافه الأوائل، وهمٌ ليس بالعسير علينا تبيُّن ما حدا بهم للوقوع فيه. فالإنسان مجبول على الاعتقاد بأنه اليوم أكثر عقلاً منه بالأمس! وكلنا في هذا الوهم سواء! فمن منا لا يعتقد أنه اليوم أكثر تطوراً عقلياً وقدراتٍ منه يوم كان شاباً في العشرين؟! وهذا بكل تأكيد ليس بالضرورة الحكم الصائب دوماً.
إن قراءةً غير متحيزةٍ لتراث الإنسان كفيلةٌ بتبيان حقيقة أن عقله لم يتطور على الإطلاق منذ أن عادَ أبوه آدم إلى هذه الأرض بعد إخراجه من الجنة. فالعقل الآدمي هو عقل الإنسان منذ ذاك الزمان وحتى هذا الزمان. وكل زعمٍ خلاف ذلك لا يستند إلا إلى ما تستند إليه
إن القدرات العقلية للإنسان ليست دالة للزمان؛ فهي لا تتطور ارتقاء بتقدم الزمان. ونظرةٌ واحدةٌ إلى تراثنا الفكري تكفي لتجعلنا مستيقنين من أن عقل إنسان القرن الحادي والعشرين ليس بأكثر رقياً من عقل إنسان العصور الغابرة. لقد عادَ آدم إلى هذه الأرض بعقلٍ توارثته ذريته من بعده جيلاً بعد جيل دون أن يتطور فيه شيءٌ ارتقاءً إلى مصاف ما يتوهم علماء الإنسان. فالإنسان القديم هو عينه الإنسان الحديث، عقلاً وفكراً.
لقد آن الأوان لنتخلى عن هذه النظرة الفوقية إلى ماضينا السحيق، والتي تجعلنا نسيء تقدير ما كان يتميز به إنسان ذاك الزمان من قدراتٍ عقلية فائقة لا تقل ولو بمقدار شعرة عن قدراتنا العقلية المعاصرة. إن إصرارنا على بخس ما كان يميز الإنسان الأول من قدرةٍ عقلية متفوقة، قد نجم عنه وقوعنا في استنتاجات خاطئة تخص ما كنا فيه وما أصبحنا عليه. وهذه النظرة “التطورية” إلى العقل، لا يمكن أن تجعلها مشروعةً حقيقةُ أن الإنسان هو نتاج عملية تطورية ارتقى بموجبها متطوراً من ماضٍ حيواني غابر إلى الإنسان كما نعرفه. فالتطور انتهى بالإنسان إلى أبيه آدم الذي ورث عنه هذا الإنسان عقلاً لم تضف إليه الأيام والسنون شيئاً يجعله أكثر تطوراً ورقياً مما كان عليه يوم عادَ آدم إلى هذه الأرض.
وإذا كان مفهوماً لماذا يصر علماء الإنسان على النظر إلى العقل بعينٍ لا تراه إلا نتاج عملية تطور مستمرة ترقى فيها من بداياتٍ تميَّز فيها بقدرات بدائية وصولاً إلى ما يتميز به اليوم من قدرات استثنائية متفوقة، فإنه من غير المفهوم لماذا يتفق معهم رجال الدين التقليدون الذين عللوا لتعاقب الرسالات الإلهية مستندين إلى القول بهذا التطور العقلي المزعوم! فالإنسان عند هذا النفر من رجال الدين، قد تطور عقله على مر السنين، مما استدعى أن يرسل الله تعالى إليه رسالات تناسبت مع تطوره العقلي! وهكذا، كانت الرسالات الإلهية تتفاوت تطوراً وارتقاء بتفاوت تطور وارتقاء هذا الإنسان عقلاً وفكراً! وهذا وهمٌ بمستطاع تدبُّر قرآن الله العظيم أن يبدده بتذكر ما جاء فيه من أن رسالات الله تعالى كلَّها جميعاً يؤيد بعضُها البعض دون أن يكون هناك من تطور تكون بموجبه الرسالة التالية أكثر رقياً من سابقتها.
إن تدبر القرآن العظيم كفيلٌ بجعلنا مستيقنين من حقيقة انتفاء تميُّز إنسان الأزمنة الحديثة بعقلٍ يجعله أرقى من إنسان الأزمنة الغابرة. وهذه الحقيقة القرآنية الخالدة لتتفق مع ما يمكننا أن نخلص إليه بدراستنا التراث الإنساني الغابر، والذي بوسعه أن يصل بنا إلى الوقوع على حقيقةٍ مفادها أن الإنسان هو ذاته الإنسان على مر الزمان.
إن العقل الآدمي لم يتطور بُنيةً ولا قدراتٍ منذ أن اكتمل هذا العقل بولادة سيدنا آدم عليه السلام إنساناً في أحسن تقويم. وما حدث بعد “الردة” التي تسبب بها أكل آدم من الشجرة المحرمة، لم يكن ليجعل من العقل الآدمي أقل أو أكثر قدرة على التميز بما هو بمقدوره أن يجعلنا نحكم على هذا العقل وفق ما يتوهم علماء الإنسان، أو رجال الدين التقليديون.ِ

One comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s