في معنى كلمة “الدنيا” في القرآن العظيم كما يُجلِّيها تدبُّرُ معاني الكلمات القرآنية الجليلة “دنا” و”أدنى” و”دان” و”دانية”

أمرَنا اللهُ تعالى بأن نتدبَّرَ آياتِ قرآنِه العظيم (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (29 ص)، فأبى كثيرٌ منا إلا أن يقرأ كتابَ اللهِ العزيز دون “تدبُّرٍ” كان ليحولَ دون أن ننتهيَ إلى ما ظننَّا أنَّه المعنى الذي لا يمكنُ لآياتِه هذه أن تنطويَ على غيرِه! ومن ذلك هذا الإصرارُ العجيبُ على أنَّ اللهَ تعالى ما وصفَ هذه الحياةَ بـ “الدنيا” إلا لأنها تتَّصف بكلِّ ما هو “دنيءٌ” من الأمورِ؛ كيف لا وهي التي يعتورُها الخَطبُ والخللُ والاختلال، وإلا فكيفَ نُعلِّلُ، إن لم تكن هي دنيئةً، لهذا الذي نراه فيها من انشغالِ أهلِها بزينتِها وزخرفِها ومالِها ونسائِها؟! ويكشفُ هذا التخريجُ النقابَ عن حقيقةِ ما يعتملُ في صدورِ القائلين به من غلٍّ وحسدٍ وغيرة وحقدٍ دفينٍ وضغائنَ وأضغان جعلتهم عاجزين عن إدراكِ العلةِ من وراءِ تميُّزِ الحياةِ “الدنيا” بهذا الذي شخصُّوهُ فيها! فالعيبُ في الإنسانِ لا في الدنيا! فإن كان هناكَ مَن ينبغي أن يوصفَ بالدناءةِ فهو هذا الإنسانُ الذي آثرَ أن ينصِتَ لما تأمرُهُ به نفسُه، ويُزيِّنُه له هواه، على أن يتَّبعَ ما جاءه من هَديٍ من ربِّه!
وبعد هذه المقدمة، لابد لنا من أن نتبيَّنَ العلةَ من وراءِ تسميةِ اللهِ تعالى لحياتِنا على هذه الأرض بـ “الدنيا”. فنحنُ إن تدبَّرنا ما وردَ في القرآنِ العظيم من آياتٍ كريمة ترِدُ فيها كلماتٍ ذاتِ صلة بـ “الدنيا”، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمر بالجذر اللغوي الذي تشعبت عنه هذه الكلماتُ كلُّها جميعاً، فإننا سنجدُ أنَّ هذه العلةَ موصولةٌ بالمعنى الذي بوسعِنا أن نقعَ عليه بتدبُّرِنا كلمتَي “الدنو” و”القرب”. فكلماتٌ من مثل “دنا” و”أدنى” و”دانٍ” و”دانية” تشتركُ كلُّها جميعاً في هذا المعنى الذي أخفقَ التفسيرُ التقليدي في الإحاطةِ به، وذلك بسببٍ مما تقدَّم بيانُه وتبيانُه. فلنأخذ مثالاً على ذلك الكلمة القرآنية الجليلة “دنا”، والتي وردت مرةً واحدةً في القرآن العظيم، وذلك في الآية الكريمة 8 من سورة النجم (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى). ألا يدلُّ المعنى الذي تنطوي عليهِ هذه الكلمة الكريمة على كلِّ ما هو ذو صلةٍ بالقربى والتقرُّبِ؟
ولو تدبُّرنا الكلمة الكريمة “أدنى” في الآيات الكريمة: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) (من 61 البقرة)، (ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) (من 3 النساء)، (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) (من 108 النساء)، (غُلِبَتِ الرُّومُ. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ) (2- من 3 الروم)، (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ) (من 51 الأحزاب)، (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) (من 59 الأحزاب)، أفلا يدلُّ تدبُّرُنا للسياقات التي وردت فيها كلمة “أدنى” على أنها تعني “أقرب”؟
ولو أننا أخذنا كلمة “دان” والتي وردت مرة واحدة في القرآن، وذلك في الآية الكريمة 54 الرحمن (وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ)، ألا يدلُّ ورودُ هذه الكلمةِ الجليلة في سياق هذه الآية الكريمة على أنَّها تعني “وجنى جنتَي الآخرة قريبٌ وفي متناول اليد تحديداً”؟
وينطبقُ ذلك على ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرنا الآيتين الكريمتين: (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَة) (من 99 الأنعام)، و(قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ) (23 الحاقة). ألا يدلُّ سياقُ ورودِ كلمة “دانية” في هاتين الآيتَين الكريمتين على أنَّها تعني القرب الشديد؟
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ اللهَ تعالى ما وصفَ حياتَنا على هذه الأرض بـ “الدنيا” إلا لأنها “أقربُ” إلينا من حياتِنا “الآخرة” التي لا يفصلنا عنها نأياً وبُعداً غيرُ ما يقتضيه الزمانُ حتى تقومَ قيامتُنا. ويؤكِّدُ هذا الذي انتهيتُ إليه، أنَّ اللهَ تعالى ميَّزَ سماءَ هذه الأرضِ التي قدَّرَ لنا أن نحيا فيها بـ “السماء الدنيا”، وهي أقرب السمواتِ إلينا (وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (من 12 فُصِّلَت).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s