الإصلاحُ الذي ليس بمقدورِ أحدٍ سوى الله أن يقوم به

أمرَ اللهُ تعالى أنبياءَه المُرسَلين بالدعوةِ إلى الإصلاح. ويكفينا هنا أن نستذكرَ ما حفظته لنا سورةُ هود مما قاله سيدُنا شعيب عليه السلام لقومه بهذا الخصوص: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) (من 88 هود). فاللهُ تعالى ما أمرَ بالإصلاحِ إلا لأن فيه خيراً (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) (من 128 النساء).
واللهُ تعالى ما أمرَ بالإصلاحِ بعدُ إلا لأن الأنفسَ أُحضِرت الشُّح (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) (من 128 النساء). والشُّحُّ علامةٌ من علاماتِ افتقارِ العبدِ إلى ما ينبغي أن يكونَ عليه حالُه مع الله خُلُوَّ قلبٍ من الضغائنِ وفراغاً من كلِّ ما يجعلُ منه طوعَ بنان النفسِ والهوى.
ولذلك فلقد فصَّلَ القرآنُ العظيم مُرادَ اللهِ تعالى من هذا “الإصلاح” الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَ السبيلَ إلى الفوزِ به وسيلةً إلى مرضاةِ اللهِ تعالى ورضوانِه، وذلك بتدبُّرِنا بعضاً من آياتِ هذا القرآن التي تحضُّ عليه وتأمرُ به: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (160 البقرة)، (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) (من 182 البقرة)، (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِين) (من 146 النساء)، (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (من 48 الأنعام)، (مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (من 54 الأنعام)، (وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) (من 142 الأعراف)، (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) (من 1 الأنفال)، (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) (من 9 الحجرات)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (من 10 الحجرات).
إلا أنَّ القرآنَ العظيم قد كشفَ لنا النقابَ عن أنَّ هنالك “إصلاحاً” لا قدرةَ لأحدٍ على أن يضطلعَ به سوى الله. ومن ذلك إصلاح اللهِ تعالى لامرأةِ سيدنا زكريا عليه السلام، وذلك بأن جعلَ بمقدورِها أن تحملَ بسيدِنا يحيى عليه السلام وهي العجوزُ العاقر (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ) (من 90 الأنبياء). ومن ذلك أيضاً دعاءُ “العبد المؤمن” الذي حفظت لنا سورةُ الأحقاف دعاءَهُ اللهَ تعالى أن يُصلِحَ له في ذريته: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) (من 15 الأحقاف). فهذا العبدُ المؤمنُ كان قد اهتدى بإذنِ اللهِ تعالى إلى أن ليس بمقدورِ أحدٍ أن يُصلِحَ له في ذريتِه سوى الله، وذلك طالما كان “إصلاحُ الذرية” أمراً يُعجِزُ كلَّ مَن يتصدَّى له من الخلق أباً كان أم أُماً أو غير ذلك!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s