في معنى “الفسوق” في القرآن العظيم

“الفسوق” في القرآن العظيم هو نقضُ العهدِ مع اللهِ تعالى، والخروج بالتالي على ما عاهدَ العبدُ عليهِ اللهَ. وبذلك يكونُ “الفسوقُ” هو أولُ ما ينبغي أن يتبادرَ إلى الذهن ما أن يشرعَ المرءُ بتدبُّرِ “نكث العهد مع اللهِ تعالى”، ومن ذلك ما جاءتنا به سورةُ الفتح في آيتِها الكريمة 10 (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا). فالفسوق في القرآنِ العظيم هو كلُّ ما يصدرُ عن العبدِ من أقوالٍ أو أفعالٍ تتناقضُ مع ما سبقَ وأن عاهدَ اللهَ على ألا يأتي بأيٍّ منها، ومن ذلك ما جاءتنا به سورةُ الحجرات في آيتها الكريمة 11: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون)، ومن ذلك أيضاً ما جاءتنا به سورةُ البقرة في آيتها الكريمة 282 (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)، ومن ذلك أيضاً ما جاءتنا به سورةُ التوبة في آيتها الكريمة 67 (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، ومن ذلك أيضاً ما جاءتنا به سورةُ البقرة في آيتها الكريمة 197 (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)، ومن ذلك أيضاً ما جاءتنا به سورةُ البقرة في آيتَيها الكريمتَين 26 -27 (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ. الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
ويؤكِّدُ هذا الذي تبيَّنَ لنا فيما تقدَّم أنَّ كلمة “فسَقَ” مشتقةٌ من كلمة “فسَخَ”، والتي لا يخفى أنها تعني كلَّ ما هو ذو صلةٍ بالنقضِ والنكث. فالأصلُ في العبادةِ أنها تقومُ على عهدٍ بين العبدِ وربِّه، يعاهدُ العبدُ اللهَ بمقتضاهُ ألا ينقضَ ما عاهدَه عليهِ من التزامٍ بما أوجبَه عليه. ويتبيَّنُ لنا ذلك بتدبُّرِنا الآيات الكريمة التالية: (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ) (102 الأعراف)، (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُون) (100 البقرة)، (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (من 47 المائدة)، (وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (من 55 النور)، (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) (19 الحشر).
إذاً فكلُّ ما ينبغي على العبدِ أن يقومَ به حتى لا يكونَ عند اللهِ من الفاسقين هو لا أكثر من أن يتقيَّدَ بما سبقَ وأن عاهدَ عليهِ الله دون أن يحيدَ عن هذا العهد على الإطلاق، وإلا فإنَّ أيَّ نقضٍ لأيٍّ بندٍ من بنودِ هذا العهد- الميثاق سيُدخِلُ العبدَ لا محالة في زمرةِ الفاسقين والعياذُ بالله.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s