ما هي “كلماتُ الله” التي وصفَها القرآنُ العظيم بأنها لا تنفد وبأن لا أحدَ بمقدورِه أن يُحصِيَها إلا الله؟

تُفاجؤنا سورتا لقمان والكهف في آيتَين كريمتَين منهما بحقيقةٍ مفادُها أنَّ للهِ كلماتٍ لا تنفد (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27 لقمان)، (قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (109 الكهف).
ويقتضي تدبُّرُ هذا الذي تتَّصِفُ به “كلماتُ اللهِ” هذه منا وجوبَ أن نُدرِكَ أنَّها ليست الكلماتِ التي كوَّنَ اللهُ تعالى منها وبها قرآنَه العظيم، وذلك لأن كلماتِ هذا القرآن لا يمكنُ أن نقولَ فيها إنها لا تنفد، طالما كان بإمكانِنا أن نعدَّها فنُحصيَها. فما هي إذاً “كلماتُ الله” هذه التي لا تنفد؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ أنَّ الكلمةَ في القرآنِ العظيم يتحدَّدُ معناها بمقتضى السياق الذي ترِدُ خلاله. ولذلك، فلا ينبغي أن نظنَّ أنَّ الكلمةَ القرآنية تنطوي على ذات المعنى حيثما وردت. ومن ذلك أنَّ العبارةَ القرآنية الجليلة “كلمات الله” لها أن تجيءَ بمعنى ذي صلة بتدخُّلِ اللهِ المباشر في أحداثِ الوجود، والذي يتجلى في عالمِنا معجزاتٍ وخوارقَ عاداتٍ تُعجِزُ العقلَ عن أن يُعلِّلَ لها وفقاً لما تقومُ عليهِ منظومتُه المعرفية، أو أن يُعينَ الإنسانَ على أن يأتيَ بمثلِها. وكلماتُ اللهِ هذه هي التي لا تنفد؛ إذ كيف يُعقل أن تنفدَ هذه الكلمات وهي تجلياتُ “كن فيكون” قولُ الحقِّ الذي لا يمكنُ أن يُتصَّوَرَ بحال أنَّ له أن يُحدِّدَه زمانٌ فتنقضي هذه التجلياتُ بانقضائِه. ولقد جاء في القرآنِ العظيم من الآياتِ الكريمة ما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِها هذا الذي تتمايزُ به “كلماتُ الله التي لا تنفد”، ولا يمكنُ لنا بالتالي أن نُحصِيَها، عن “كلماتِ القرآنِ العظيم” التي بإمكانِنا أن نُحصِيَها: (وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا) (من 40 التوبة)، (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) (من 45 آل عمران)، (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ) (من 171 النساء).
فكلمةُ اللهِ هي العليا، وذلك لأنها كلمة “كن فيكون” المتسلطةُ على الوجودِ وموجوداته تسلُّطاً لا قِبَلَ لمخلوقٍ بمقتضاهُ أن يحولَ دونَ أن يكونَ لله ما أراد إذا ما قالَ لما يُريد “كن فيكون”. ومن ذلك ما سبقَ للهِ تعالى وأن سلَّطَه على الوجودِ من كلماتِه التي لا تنفد من قبلِ أن يوجَد هذا الوجود: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (من 19 يونس)، (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) (129 طه)، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (171- 173 الصافات).
ومن ذلك أيضاً ما يتجلَّى لنا من مُحكَمِ تسلُّطٍ للهِ تعالى على كلِّ ما يجري في الوجود تسلُّطاً آنياً لحَظياً لا قدرةَ لمخلوقٍ على النفاذِ من قبضتِهِ، وذلك بتدبُّرِنا الآيات الكريمة التالية: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (115 الأعراف)، (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) (من 137 الأعراف)، (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (من 119 هود)، (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ) (19 الزمر)، (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) (6 غافر)، (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (من 71 الزمر)، (وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) (من 21 الشورى)، (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (33 يونس)، (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم) (96- 97 يونس).
وبتدبُّرِ ما تقدَّم يتبيَّنُ لنا أنَّ “كلماتِ الله” التي كوَّنَ اللهُ منها وبها قرآنَه العظيم إنما هي غيضٌ من فَيضِ كلماتِ اللهِ التي لا تنفد. وهكذا أصبحَ بإمكانِنا الآن أن نرُدَّ على المُلحدين والمُشكِّكين الذين يقولون في القرآنِ العظيم إنَّه كتابٌ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ الله، وذلك بحجةِ أنَّ هنالك تناقضاً بين ما تذهبُ إليه الآيتان 109 الكهف و27 لقمان من أنَّ “كلماتِ اللهِ لا تنفد”، وبين كونِ كلماتِ هذا القرآن بالإمكان إحصاؤها ولا يمكنُ لها بالتالي أن تكون “لا تنفد”.

One comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s