جَدَلُ الأبديتَين أو لماذا هو من العسيرِ على الإنسانِ أن يُصدِّقَ أنه ميتٌ يوماً لا محالة؟

يجدُ الإنسانُ أنَّ من العسيرِ عليهِ أن يُصدِّقَ ما تقولُ به وقائعُ الأمور من أنَّه ميتٌ يوماً لا محالة طالما كان هذا هو ما قضت به “مقاديرُ اللهِ” منذ أن قُدِّرَ لبني آدم أن يستعمروا الأرضَ وينتشروا فيها. فلماذا يعجزُ الإنسانُ إذاً عن أن يتقبَّلَ ما يقولُ به المنطقُ وتشهدُ له بالصدقِ مُجرياتُ الأحداثِ وطبائعُ الأمور؟
يكتنفُ هذا “الأمرَ” ويُحيطُ به من “المجاهيلِ” ما يجعلُ من كلِّ محاولةٍ للإجابةِ على هذا السؤال لا تنتهي بصاحبِها إلا إلى الإخفاقِ التام. وهذا يقتضي منا ضرورةَ أن نُدرِكَ أنَّ في “الأمرِ” تعالياً على الواقعِ وأسبابِه يُحتِّمُ علينا وجوبَ أن نستقصِيَ العلةَ من وراءِ عجزِ الإنسانِ هذا. وهذا يقودُنا لا محالة إلى تقصِّي بداياتِ “تخلُّقِ الإنسان”، وذلك وفقاً لما كشفَ لنا القرآنُ العظيم النقابَ عن بعضٍ من مفرداتِه التي أبداً لن يكونَ بمقدورِ ما قُدِّرَ للإنسانِ أن يضعَ يدَه عليهِ من علم أن يُعينَه على الإحاطةِ بها.
فاللهُ تعالى خلقَ آدمَ في أحسنِ تقويم (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (4 التين)، ومن بينِ ما انطوت عليه “خِلقةُ أحسنِ تقويم” هذه أن أصبحَ آدمُ مؤهلاً لأن يحيا حياةً أبدية دون أن تتمكَّنَ “أسبابُ الموتِ” من أن تصلَ إليه. غيرَ أنَّ الأكلَ من شجرةِ الجنة تسبَّبَ في جعلِ آدم يفقدُ هذه “الخصيصة” فكان أن قُدِّرَ عليه أن يموتَ كما تموتُ غيرُه من الكائنات التي خلقَها اللهُ من طين، نباتاتٍ كانت أم حيوانات. ولقد تبقَّى من آثارِ “برنامج خِلقةِ أحسن تقويم” ما جعلَ الإنسانَ عاجزاً عن أن يُصدِّقَ ما يقولُ به المنطقُ من أنَّه ميِّتٌ يوماً لا محالة، وهو الذي خُلِقَ ليحيا وفقاً لما تقضي به خِلقتُه هذه إلى الأبد.
ولقد نجمَ عن أكلِ آدمَ وزوجِه من شجرةِ الجنة التي نُهيا عنها ما حتَّمَ على الإنسانِ أيضاً أن يطالَه “قَدَرٌ جديد” أخضعَهُ للبعثِ من بعدِ الموت، وليُخلَّدَ من بعدُ في النارِ أو في الجنة إلى أبدِ الآبدين. وهذا برنامجٌ فاعلٌ عاملٌ لا مناصَ للإنسانِ من أن يتأثَّرَ بسطوتِهِ وتسلُّطِهِ عليه تأثُّرَه بما تبقَّى من “برنامج الحياةِ الأبدية”، والذي كان قد قُدِّرَ لآدمَ وزوجِه أن يقضيا حياتَهما في الجنةِ إلى أبدِ الآبدِين وفقاً لما يقضي به، لولا ما حدثَ فجعلَ منهما بشَرَين فانِيَين.
فكيف يكونُ بمقدورِ الإنسانِ إذاً أن يُصدِّقَ أنَّه ميتٌ يوماً لا محالة إذا كان أبواه قد خُلِقا ليحيَيا إلى الأبد في الجنة، وكيف لا يعجزُ عن أن يُصدِّقَ أنَّه مقضيٌّ عليه بالموتِ لا محالة إذا كان اللهُ تعالى قد خلقَه ليُخلَّدَ في الآخرة، وجعلَ لذلك برنامجاً غُرِسَ في صميمِ بُنيتِه تسَرَّب إلى أعمقِ أعماقِ كينونتِه نفساً وروحاً وبدَناً، عقلاً وقلباً وفؤاداً. فما غُرِزَ في الإنسانِ من آثارِ البرنامجِ القديم، برنامج خِلقةِ أحسنِ تقويم، وما غُرِسَ فيه من “برنامجِ الإعدادِ لليومِ الآخِر” يجعلانه، وهو في غمرةِ الجدلِ القائمِ بين هذين البرنامجَين، عاجزاً أشدَّ العجز عن أن يُغلِّبَ صوتَ العقلِ عليهما لينتهيَ به الأمرُ إلى هذا الذي نراهُ عليه من عجزٍ عن تقبُّلِ حقيقةِ كونِهِ سيموتُ يوماً لا محالة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s