العبادةُ إذ هي اقترابٌ من الله

خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ ليعبُدَه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات). وإذا لم يكن مُقدَّراً للإنسانِ في هذه الحياةِ الدنيا أن يتبيَّنَ العلةَ من وراءِ خلقِ اللهِ تعالى لهذه الحياة ولمفرداتِها من أرضٍ وسموات وملائكةٍ وجِنٍّ وبشر ونباتٍ وحيوانٍ، فهل لم يُقدَّر له أيضاً أن يتبيَّن العلةَ من وراءِ أمرِ اللهِ تعالى له بأن يعبدَه؟ إنَّ هذا السؤال ينطوي على سؤالٍ آخر هو: “لماذا أمرَ اللهُ تعالى الإنسانَ بأن يعبدَه؟”.
يُعينُ على الإجابة على هذا “السؤال المتضمَّن” أن نستذكرَ الآية الكريمة الأخيرة من سورة العلق (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ). فاللهُ تعالى أمرَ نبيَّهُ الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بألا يُطيعَ مَن ينهاهُ عن الصلاة، وأن يسجدَ ويقترب (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى. عَبْدًا إِذَا صَلَّى…. كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) (9- 10 و19 العلق).
يتبيَّن لنا بتدبُّرِ آيةِ الأمرِ الإلهي بـ “السجود والاقتراب” أنَّ اللهَ تعالى ما أمرنا بعبادتِه إلا لنقتربَ منه. فاللهُ تعالى خلقَ الخلقَ ليقتربوا منه، وشرعَ لهم ما يكفلُ لهم ذلك ديناً قِيماً ملةَ إبراهيمَ حنيفاً ولم يكن من المشركين (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (123 النحل)، (فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (من 95 آل عمران).
لقد خلقَ اللهُ تعالى الإنسانَ وزوَّده بكلِّ ما من شأنِهِ أن يُعينَه في رحلتِهِ إليه ترقياً وارتقاءً وتقرُّباً واقتراباً. فاللهُ خلقَ الإنسانَ مؤهلاً لهذا الترقِّي والارتقاء اللذين يكفلانِ له أن يحظى بـ “نعمةِ القربى من الله”، وهي نعمةٌ ما قدرَها الإنسانُ حقَّ قدرِها إذ أصرَّ على الفرارِ من الله عوضَ الفرارِ إليه (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) (50 الذاريات)، (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا. فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا) (5- 6 نوح).
فلو أنَّ الإنسانَ أدركَ ما كان سيحظى به من عظيمِ النعمة لو أنَّه شرعَ في الاقترابِ من الله، لشرعَ من فورهِ في رحلةِ الترقي والارتقاء والتقرب والاقتراب منه، ولأحجمَ عن كلِّ ما هو كفيلٌ بجعلِه ينأى عن الله لينتهيَ به المطافُ بعدها شقياً كلَّ الشقاء في الدنيا ومخلداً أبد الآبدين في نارِ الآخِرة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s