في معنى الآية الكريمة (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)

ما الذي قصدت إليه امرأةُ العزيز بقولِها الذي حفظته لنا سورةُ يوسف في آيتِها الكريمة 53 (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ما جاءتنا به سورةُ يوسف في آيتِها الكريمة 24 (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ). فلقد اقتضى صرفُ اللهِ تعالى السوءَ والفحشاءَ عن سيدِنا يوسف عليه السلام أن يُرِيَه اللهُ برهانَ قدومِ العزيز وذلك حتى لا يهِمَّ بها كما همَّت هي به. فلولا هذا التدخُّل الإلهي المباشر، صرفاً للسوءِ والفحشاءِ عن سيِّدِنا يوسف عليه السلام، لكانت الأمورُ قد اتَّخذت لها منحىً آخر لا ينبغي لمن كان من عبادِ اللهِ المخلَصين (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين).
إن تدبُّرَ ما تقدَّم كفيلٌ بأن يُعينَ على تبيُّنِ مقصدِ امرأةِ العزيز، وذلك إذا ما أخذنا بنظرِ الاعتبار ما بمقدورِ تدخُّلِ اللهِ تعالى المباشر أن يُفضيَ إليه منعاً وحيلولةً دون أن تُثمِرَ الأسبابُ نتائجَها. فإذا كانت النفسُ لا يصدرُ عنها من أمرٍ إلا ما كان منطوياً على سوء، فإنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أن يتدخَّلَ تدخُّلاً مباشراً يحولُ دون أن يصدرَ عن النفسِ أيُّ أمرٍ بالسوءِ. فاللهُ تعالى يحولُ بين المرءِ ونفسِه فلا يجعلُ لها ما يُمكِّنُها من أن تُصدِرَ من الأوامرِ ما هو كفيلٌ بأن يجعلَ المرءَ يقترف السوء. وما ذلك على اللهِ بعزيز، فلقد جاءتنا سورةُ الأنفال بما يؤكِّدُ أنَّ اللهَ تعالى يحولُ بين المرءِ وقلبِه حيلولةً متحقِّقةً بما للهِ تعالى من شديدِ قُربى من المرء، طالما كان اللهُ أقربَ إلى المرءِ منه قلباً وفؤاداً وعقلاً، وذلك على خلافِ ما يظنُّ المرءُ ويتوهَّمُ من ألا أحداً بمقدورِه أن يحولَ بينه وبين قلبه أو أي جزءٍ آخر من بدنِه (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (من 24 الأنفال).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ ما قصدت إليه امرأةُ العزيز بقولها (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)، بالإمكانِ إيجازُه بالكلماتِ التالية: “إنَّ النفسَ لا تأمرُ إلا بالسوء، ولن يحولَ دونَ أن يصدُرَ عنها أيُّ أمرٍ بالسوء إلا إذا ما حال اللهُ بينها وبين ذلك بتدخُّلٍ مباشرٍ من لدنه هو تجلٍّ من تجلياتِ رحمتِه التي وسعت كلَّ شيء”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s