لماذا ليس هناك أيُّ تعارضٍ على الإطلاق بين قولِهِ تعالى “وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ” وقولِهِ تعالى “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً”؟

يُصِرُّ القرآنُ العظيم على أن يُقدِّمَ الدليلَ تلوَ الآخر على أنَّه كتابٌ لا يمكن أن يكونَ من عندِ غيرِ الله، وعلى أنَّ كلَّ مَن يزعم أنَّ هنالك تناقضاً بين مفرداتِ نصِّهِ الكريم لن ينتهيَ به الأمرُ إلا إلى الخسرانِ المبين. فالقرآنُ العظيم يتحدى كلَّ مَن لا يُقِرُّ بأنه كتابٌ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غير الله بهذا الذي ينطوي عليه نَصُّهُ من انتفاء وجودِ أيِّ اختلافٍ بين مفرداتِ هذا النَّص الذي أحكمَ اللهُ صياغتَه إحكاماً مُبيناً هو آيةٌ من آياتِ اللهِ الكبرى (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء).
ولذلك فإنَّ أولئك الذين يأتونَ بآياتٍ قرآنيةٍ كريمة تبدو لكلِّ مَن يقرأُها قراءةً تفتقرُ إلى التدبُّر يناقضُ بعضُها بعضاً، إنما قد أقاموا على أنفسهم الحجةَ بأنهم لم يقرأوا هذه الآيات القراءةَ المتدبرةَ هذه! ومن ذلك ما يظنُّ البعضُ من أنَّ هنالك تعارضاً بين قولِه تعالى (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (من 18 الأعراف) وقولِهِ تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (من 30 البقرة). ولو أنَّ مَن يذهبُ هذا المذهبَ قرأَ هاتين الآيتين الكريمتَين بتدبُّرٍ، يقتضي منه بالضرورة وجوبَ أن يُعزِّزَ هذه القراءةَ بتدبُّرِ آياتٍ أخرى ذاتِ صلة، لتبيَّنَ له أن ليس هناك أيُّ تناقضٍ بينهما! فالقراءةُ المتدبِّرةُ لهاتين الآيتين الكريمتين إذاً سوف تكشفُ لنا النقابَ عن الحقيقةِ الكامنةِ من وراءِ ما جاءنا به القرآنُ العظيم من قصَصِ سيدِنا آدم عليه السلام. فسيدُنا آدم استخلفَه اللهُ تعالى في الأرض، وذلك من بعدِ إهلاكِ مَن كان يُفسِدُ فيها ويسفكُ الدماء. ثم أعقبَت هذا الاستخلافَ، والذي هو في حقيقتِه إبقاءٌ لآدم ولزوجِه من بعدِ هلاكِ القومِ المفسدين، رحلةٌ إلى “جنةِ اللهِ في هذه الحياةِ الدنيا” وذلك لأنَّ اللهَ تعالى كان قد نفخَ فيه من روحِه بقولِه له “كن فيكون” فصيَّرت هذه النفخةُ الإلهيةُ سيدَنا آدم إنساناً في أحسنِ تقويم استحقَّ بذلك أن يُساكِنَ ملائكةَ اللهِ المُقرَّبين تلك الجنة.
وهكذا يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أن ليس هناك أيَّ تعارُضٍ بين هاتين الآيتين الكريمتَين طالما كان استخلافُ آدمَ في الأرضِ أمرٌ سبقَ إسكانَ اللهِ تعالى له جنَّته في هذه الحياة الدنيا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s