المقاربةُ المُثلى لدينِ الله تعالى

تُخفِقُ كلُّ مقاربةٍ لدينِ اللهِ تُحكِّمُ العقلَ فيه فتحتكِمُ إلى ما يقولُ به هذا العقلُ وإن كان في ذلك ما يتناقضُ مع ما جاء به دينُ الله من حقٍّ لا يُشكِّكُ فيهِ إلا مَن آثرَ اتِّباعَ سبيلِ الغَي على اتباعِ سبيلِ الرُّشد. فاللهُ تعالى لم يخلُق عقلَ الإنسانِ بقدُراتٍ مطلقة، كما يتوهَّم الإنسان! فاللهُ تعالى خلقَ كلَّ شيءٍ بقدَر، ومن ذلك أنَّه خلقَ عقلَ الإنسانِ محدودَ القدراتِ، مُحدَّداً بمدَياتِ إدراكٍ لا سبيلَ إلى جعلِها تزدادُ بأكثرَ مما قُدِّرَ لها.
ولذلك فلم يكن أمامَ عقلِ الإنسانِ، والحالُ هذه، غيرَ أن يحكمَ على كلِّ ما يتعارضُ مع “محدوديتِه” وفقاً لما تقضي به محدوديتُه هذه! فهو إن كان من الذين آثروا الانصياعَ لما تأمرُ به النفسُ ويُزيِّنُه الهوى، فإنَّه مُلزَمٌ بأن يحكُمَ على ما جاء به دينُ اللهِ تعالى من “خوارق” بأنها ليست بأكثرَ من “خرافاتٍ” وخيالاتٍ وأساطير! وهو إن كان من الذين اختاروا أن يُؤمِنوا بما جاءَ به دينُ اللهِ تعالى من “خوارق”، فإنه لا يؤمنُ بها إلا من بعدِ أن يعملَ على “تأويلِها” وبما يجعلُها لا تتعارضُ مع ما يقضي به “عقلُه المحدود”! ولذلك، فإن كِلا الفريقَين سوف ينتهي به الأمرُ إلى القولِ في دينِ اللهِ بما لا يُرضي الله. فهل هناك حقاً من كبيرِ فرقٍ بين مَن يُنكِرُ المعجزاتِ، بحجةِ أنَّها لا تتَّفقُ مع أحكامِ العقلِ وما يقضي به، وبين مَن يُأوِّلُها تأويلاً يجعلُها تتَّفقُ مع ما يقضي به العقلُ ولا تُخالفُ بالتالي عن أحكامه؟!
ولذلك فإنَّ المقاربةَ المُثلى لدينِ اللهِ لا ينبغي لها أن تُحكِّمَ العقلَ في كلِّ ما جاءَ به دينُ الله. فدينُ اللهِ قد كشفَ لنا النقابَ بقرآنِه العظيم أنَّ كلماتِ اللهِ “لانهائيةٌ” (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (27 لقمان). وكلُّ كلمةٍ من كلماتِ الله التي تُشيرُ إليها هذه الآيةُ الكريمة هي معجزةٌ من معجزاتِ الله التي تُعجِزُ العقلَ عن أن يُعلِّلَ لها وفقاً لمنطقِهِ وأحكامِه، إعجازَها له عن أن يُمكِّنَ الإنسانَ من أن يأتي بمثلِها أو بأحسن منها.
وإذا كانت المقاربةُ المُثلى لدينِ اللهِ تعالى هذا هو موقِفُها من العقل، إنضباطاً بقواعدِهِ وأحكامِه ما تعلَّقَ الأمرُ بما لا يتناقضُ منها مع ما جاء به القرآنُ العظيم، وإعراضاً عن كلِّ “حُكمٍ عقلي” على ما جاءَ به هذا القرآنُ مما يتناقضُ مع قواعدِ العقلِ وأحكامِه، فإنها لتعتمدُ قولَ رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم في قرآنِ اللهِ العظيم “إنه كتابٌ لا تنقضي عجائبُه” شرعتَها ومنهاجَها، اعتماداً يوجبُ عليها ألا تقصِرَ تعامُلَها مع هذا القرآنِ على ما جاءَ به الأولون الذين نُخطِئُ إذ نظنُّ أنَّهم قد أحاطوا بكلِّ ما ينطوي عليه قرآنُ اللهِ العظيم من عجائبَ يكفينا أن نعلمَ أنَّها لانهائيةٌ كما هي كلماتُ الله!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s