في معنى قوله تعالى “وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ”

لماذا وصفَ اللهُ تعالى قرآنَه العظيم بأنَّه كتابٌ “لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ”؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ما يُشدِّدُ عليهِ القرآنُ العظيم من أنَّه كتابٌ لا قدرةَ لمخلوقٍ على أن يمسَّهُ، وبما يجعلُ من نَصِّهِ عُرضةً للتغيير كائناً ما كان هذا التغيير. فالقرآنُ العظيم كتابٌ لا يأتيهِ الباطلُ من بين يديه. وأنى للباطلِ أن يتسَّلَّلَ إليه وهو كتابٌ قد تعهَّدَ اللهُ بحفظِهِ من بعدِ تنزُّلِه، وذلك مصداقَ ما جاءتنا به سورةُ الحجر في آيتها الكريمة 9 (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ). فالذي تنزَّلَ عليه هذا القرآنُ هو مَن وصفَه اللهُ تعالى في سورةِ النجم بأنه (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (4 -5 النجم).
كما أنَّ هذا القرآنَ لا يمكن أن يعترضَ رحلةَ تنزُّلِه من عند الله تعالى إلى قلبِ رسوله الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم أحدٌ من الخلق، وهو الوحيُ الذي نزلَ به مَن وصفَه اللهُ تعالى بأنه “الروح الأمين” (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِين) (192- 195 الشعراء). ولذلك قالَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم إنه كتابٌ لا يأتيهِ الباطلُ من خلفِه، أي ليس للباطلِ أن يتسرَّبَ إليهِ إبانَ رحلةِ تنزُّلِهِ هذه. ويكفينا أن نستذكرَ بهذا الشأن ما جاءتنا به سورةُ الشعراء من شهادةٍ لهذا القرآن بأنه لا يمكنُ أن يكونَ قد تنزَّلت به الشياطين (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ. وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ. إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) (210- 212 الشعراء).
يتبين لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ استعصاءَ وتمنُّعَ القرآنِ العظيم على الباطل قد برهنَ عليه ما اختصَّ اللهُ تعالى به روحَه الأمين عليه السلام ورسولَه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم من صفاتٍ وخصائصَ جعلته بمنأى عن أن يطالَه هذا الباطلُ الذي ألزمَ اللهُ تعالى نفسَه بأن يكونَ له بالمرصاد، وإن اقتضى ذلك دوامَ تدخُّلِهِ تعالى حفظاً لهذا القرآن من بعدِ اكتمالِ تنزُّلِه، كما كان هو الحافظَ له منذ بدايةِ رحلتِهِ من عالمِ العرش وحتى اكتمالِها عند رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s