ما الذي قصد إليه الله تعالى بقوله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)؟

يظنُّ كثيرٌ ممن يقرأون ما جاءتنا به سورةُ الذاريات في آيتها الكريمة 56 (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أنَّ اللهَ تعالى قد حدَّدَ فيها العلةَ من وراءِ خلق الجنِّ والإنس! وهذا ظنٌّ تدحضُهُ وتُفنِّدُه الحقيقةُ التي مفادُها أنَّ القرآنَ العظيم لم يُحدِّد على الإطلاق العلةَ من وراءِ خلقِ اللهِ تعالى لأيٍّ من مخلوقاتِه. فنحن لا نجدُ في هذا القرآنِ ما يُشيرُ من قريبٍ أو بعيد إلى علةِ خلقِ اللهِ تعالى للوجودِ وما فيه ومَن فيه. فهذه العلةُ مُغيَّبةٌ، فلا يُحيطُ بها أحدٌ من الخلق، وهي غيبٌ لا يعلمُهُ إلا الله.
ويتكفَّلُ “السياقُ القرآني” الذي وردت خلالَه هذه الآيةُ الكريمة بتبيانِ مقصدِ اللهِ تعالى من إيرادها في قرآنِه العظيم. لنتدبَّر هذا السياق الجليل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين) (56- 58 الذاريات). يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة الثلاث أنَّ الأمرَ موصولٌ بدحضِ اللهِ تعالى لظنِّ المشركين من معاصري رسولِه الكريم صلى الله تعالى عليه وسلم بأنَّ ما يُقدِّمونه من هَديٍ وأضاحيَ إنما هو في حقيقتِه قرابينُ لا يستغني اللهُ تعالى، بزعمهم، عنها! وهم بذلك لا يختلفون على الإطلاق عن أمثالِهم وأشياعِهم وأشباهِهم من قدامى أُممِ الأرض الذين كانوا يُقدِّمون القرابين إلى آلهتِهم ظناً منهم أنَّها تعتاشُ على لحومِها وتغتذي من دمائها!
ولقد جاءنا القرآنُ العظيم، وذلك في الآية الكريمة 37 من سورة الحج، بتفنيدٍ آخر دحضَ اللهُ به ظنَّ المشركين من أنَّه، تعالى عما يصِفون، لا يستغني عن لحومِ ودماءِ ما يُقدِّمونه من أضاحي (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).
وليس ببعيد عن هذا التفنيد، وذاك الدحض، ما جاءتنا به سورةُ سبأ في آيتِها الكريمة 37 (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s