كيف يُجيبُنا القرآنُ العظيم على سؤال “لماذا خلقَ اللهُ الوجود”؟

يظنُّ كثيرٌ منا أنَّ من بين ما يقتضيهِ “حسنُ الإيمان” أن نغلوَ في قرآنِ اللهِ العظيم فنقولَ فيه ما لم يقله! وإلا فكيف لنا أن نُعلِّلَ لهذا الذي شاعَ فينا وراج من أنَّ القرآنَ العظيم فيه أنباءُ الأوائل والأواخر، وأنَّه يشتملُ على ذكرِ كلِّ ما في الوجودِ من أسرارٍ وخفايا وخبايا؟!
لقد أنزلَ اللهُ قرآنَه العظيم برسالةٍ مُحدَّدةٍ اقتضى أمرُ تحديدِها أن يُصارَ إلى أن لا يَرِدَ فيه ما لا صلةَ له بموضوعِ رسالته هذه. فالقرآنُ العظيم لم يتنزَّل من لدنِ اللهِ تعالى حتى يُجيبَنا على كلِّ ما يخطرُ لنا على بال من عجيبِ وغريبِ السؤال! ولن يقدحَ في سموِّ شأوِ القرآن ألا نجدَ فيه أجوبةً على ما يعِنُّ لنا من أسئلةٍ، لو كان للجوابِ عليها أن يرتقيَ بحالِ الواحدِ منا مع اللهِ تعالى لما وجدتَ هذا القرآنَ يُعرِضُ عنه! ولذلك فلقد حرصَ القرآنُ العظيم على أن يؤكِّدَ هذا الذي يتوجَّبُ على متدبِّره أن يتبيَّنه بشأنِ رسالتِه “المحدَّدة”، والتي لم يكن من بين مفرداتِها على الإطلاق أن يشتملَ هذا القرآنُ على كلِّ ما من شأنِه أن يُبهِرَ متدبِّرَه بما ورد فيه من “أنباءِ الغيب”! لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية:
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) (85 الإسراء)، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُو) (من 187 الأعراف)، (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) (من 31 المدثر)، (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) (من 59 الأنعام).
وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ هناك الكثيرَ من الأسئلة التي لا يتوجَّبُ على القرآنِ العظيم أن يكونَ مُلزماً بتقديمِ إجاباتٍ عليها. ويتصدَّرُ قائمةَ هذه الأسئلة السؤالُ الذي أرَّقَ عقولَ جهابذةِ المفكرين، متديِّنين منهم ومن كان بلا دين. وهذا السؤال هو “لماذا خلقَ اللهُ الوجود؟”. فطالما لم ترِد في القرآنِ العظيم أيُّ إجابةٍ على هذا السؤال، فإننا غيرُ مُلزَمين بالتالي بأن نُشغِلَ عقولَنا بما لم يُقدَّر لها أن تُحيطَ بما تنطوي الإجابةُ عليه من علم! فاللهُ وحده هو مَن يعلم لماذا خلقَ الوجود، وما هي العلةُ من وراءِ هذا الخلق. وأيُّ تنطُّعٍ من جانبِنا بغيةَ “اختراعِ” هكذا إجابة لن ينتهيَ بنا إلا إلى الخوضِ فيما لا علمَ لنا به، وإلى تقويلِ قرآنِ اللهِ العظيم ما لم يقُله والعياذُ بالله.
ويكفينا أن نستذكرَ ما جاءنا به القرآنُ العظيم من تبيانٍ لمحدوديةِ عِلم الخلق حتى مَن كان منهم من ملائكةِ اللهِ المقرَّبين (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم) (31 -32 البقرة). فاللهُ تعالى قد قطعَ في قرآنِه العظيم بأن ليس لأحدٍ من خلقِه أن يُحيطَ بشيءٍ من علمِه إلا بما شاء (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (من 255 البقرة).

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s