نبوةُ الأسباطِ بين مَنطقِنا الإنساني السقيم ومنطقِ اللهِ الخبيرِ العليم!

يبدو أنَّ عقولَنا تأبى إلا أن تُلقِيَ بظِلالِها على كلِّ ما هو حقيقي حتى لا يعودَ بمقدورِنا أن ننظرَ إلى الحقيقةِ دون أن يُخالِطَ نظرَنا ما هو كفيلٌ بأن يجعلَنا عاجزينَ عن أن نراها بمعزلٍ عن ذاك الذي تُمليه عليها نفسٌ أمارةٌ بالسوءِ إلا ما رحمَ ربي! وإلا فكيف لنا أن نُعلِّلَ لهذا الإصرارِ من جانبِنا على أن نُحكِّمَ في صريحِ النَّص القرآني المقدس منطِقَنا الإنساني السقيم، وإن كان في ذلك ما يتعارضُ مع ما ينطوي عليه هذا النص من منطِقٍ إلهي قويم؟! فهل يُعقل أن يقولَ البعضُ في إخوةِ يوسف ما تُزيِّنُه النفسُ ويؤيِّدُها في ذلك هواها؟! وهل من الإسلامِ حقاً أن نحتكمَ إلى منطقٍ استساغَ أن تستعبدَه النفسُ ويتسلَّطَ عليه هواها؟!
فكيف ننسى أنَّ الأمر ليس لنا حتى نحكمَ على إخوةِ يوسف بما نظنُّ ونتوهَّمُ أنَّه الحكمُ الذي فيه الجزاءُ الأوفى لما جنَته أيديهم بحقِّ أخيهم، ومن قبلِ ذلك بحقِّ أبيهم؟! وكيف فاتَنا أنَّ اللهَ تعالى لم يكتفِ بأن غفرَ لإخوةِ يوسف ذنوبَهم كلَّها جميعاً، ولكنه منَّ عليهم واختصَّهم بما فصَّلته لنا الآياتُ الكريمةُ التالية: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) (163 النساء)، (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (84 آل عمران)، (قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (136 البقرة).
فلو كان مَن أساءَ الظنَّ في إخوةِ يوسف مُحِقاً فيما ذهب إليه بشأنِهم، فلماذا جاءنا القرآنُ العظيم بما يُخالِفُ هذا المنطقَ الإنسانيَّ السقيم؟! ألسنا نقرأ في سورةِ يوسف ما كان من أمرِ إخوةِ يوسف مع أخيهم بعد أن تبيَّنَ لهم أنَّهم كانوا غيرَ مُحقِّين في ظنِّهم بشأنِه؟! (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ. قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (91- 92 يوسف).
أوَلم يستجب سيِّدُنا يعقوب لتوسُّلِ إخوةِ يوسف الاستجابةَ التي حفظتها لنا هذه السورةُ الجليلة: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ. قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (97- 98 يوسف).
يتبيَّنُ لنا إذاً بتدبُّرِ ما تقدَّم أنَّ الاحتكامَ إلى منطقِنا الإنساني ليس له بالضرورة أن ينتهيَ بنا إلى ما فيه خيرُنا وصلاحُنا، وأنَّ الخيرَ كلَّ الخير، والصلاحَ كلَّ الصلاح، لن يتحقَّق لنا أن نحظى بهما إلا بألا نرتضيَ لعقولِنا أن تحتكمَ إلى غيرِ “المنطقِ الإلهي” الذي لا ضلالَ ولا ضلالةَ إلا بالإعراضِ عنه والاحتكامِ إلى غيرِه.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s